مطار دير الزور.. رئة جديدة تربط سوريا بالعالم

سمانيوز /متابعات /أحمد صديق
يمثل إعادة فتح مطار دير الزور في سوريا خطوة مهمة على طريق استعادة النشاط الاقتصادي والخدمي في شرق سوريا، حيث يمنح سكان المحافظة نافذة جديدة على الداخل والخارج، مع آمال بأن تسهم المرحلة المقبلة في توسيع شبكة الرحلات، وتحسين الخدمات، وتعزيز دور المطار كمحور للتنمية والتواصل، بما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين والاقتصاد المحلي.
ورغم استمرار التحديات المرتبطة بقطاع الطيران والبنية التحتية، فإن عودة الطائرات إلى الهبوط والإقلاع من دير الزور تعد مؤشراً على تقدم جهود إعادة التأهيل، ومرحلة جديدة من استعادة المرافق الحيوية لدورها في خدمة السكان ودعم التنمية.
فبعد سنوات طويلة من التوقف والأضرار التي خلفتها الحرب، عاد مطار دير الزور الدولي إلى الخدمة، في خطوة تعد من أبرز مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية في شرق سوريا. ويشكل استئناف العمل في المطار حدثاً يتجاوز البعد الخدمي، إذ يحمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وإنسانية وتنموية، ويعيد ربط محافظة دير الزور ببقية المحافظات السورية والعالم الخارجي.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني السورية قد أعلنت عن استكمال أعمال إعادة تأهيل المطار، تمهيداً لاستئناف الرحلات الجوية المنتظمة، بعد الانتهاء من أعمال الصيانة الفنية والتشغيلية التي شملت المدرج، وبرج المراقبة، وصالات الركاب، ومنظومات الملاحة والسلامة الجوية، بما يتوافق مع متطلبات التشغيل المدني.
وكان المطار، شأنه شأن كثير من المنشآت الحيوية في سوريا، قد تعرض لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى توقف الحركة الجوية لفترات طويلة، وانقطاع المحافظة عن واحدة من أهم وسائل النقل السريع. وخلال تلك السنوات، واجه سكان دير الزور صعوبات كبيرة في التنقل، سواء لأغراض العلاج أو الدراسة أو العمل، واضطر كثير منهم إلى السفر عبر طرق برية طويلة تمتد مئات الكيلومترات للوصول إلى المطارات العاملة في دمشق أو حلب.
يقع مطار دير الزور في شرق سوريا، وكان أحد المطارات الداخلية التي تربط المحافظة بالعاصمة دمشق ومطارات سورية أخرى. وتظهر البيانات التاريخية المتاحة أن المطار كان يشهد حركة جوية متواضعة في ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتطور تدريجياً في بداية السبعينيات.
وكانت أولى الرحلات المدنية التي تمت في المطار عام 1963 وكانت مخصصة لنقل عدد محدود من المسافرين لا يتجاوزون بضعة آلاف، إلى جانب عمليات شحب البضائع، أي أنه كان يتم استخدامه للنقل الداخلي في أغلب الأحيان. ومنذ أن بدأت الحرب ابتعد المطار عن دوره المدني، واستمر خارج الخدمة الجوية المدنية لسنوات طويلة.
وفي 2 فبراير 2025 هبطت في المطار طائرة مدنية قادمة من دمشق في أول رحلة تجريبية منذ 14 عاماً، بهدف اختبار جاهزية المطار. وأكدت وكالة الأنباء السورية «سانا» أن الرحلة كانت تجريبية للتحقق من جاهزية المطار. وتكتسب هذه الرحلة أهميتها من كونها مثلت، عملياً، عودة الطيران المدني إلى المطار بعد سنوات طويلة من التوقف
ويرى مراقبون أن إعادة تشغيل المطار تمثل بداية مرحلة جديدة من استعادة الخدمات الأساسية في المحافظة، خاصة مع تحسن الأوضاع الأمنية نسبياً وعودة العديد من المؤسسات الحكومية للعمل.
ولم تقتصر أعمال إعادة التأهيل على إصلاح بعض المرافق، بل شملت مشروعاً متكاملاً لإعادة تجهيز المطار ليصبح قادراً على استقبال الرحلات المدنية بصورة منتظمة. وتضمنت الأعمال إعادة تأهيل المدرج الرئيسي وممرات الطائرات، وتجهيز صالات الوصول والمغادرة، وتحديث شبكات الكهرباء والاتصالات، وإعادة تشغيل برج المراقبة، فضلاً عن تجهيز منظومات الإطفاء والإنقاذ والإجراءات الأمنية الخاصة بالطيران المدني. كما جرى تنفيذ اختبارات تشغيلية للتأكد من جاهزية المطار قبل بدء استقبال الرحلات.
وأكدت الهيئة العامة للطيران المدني السورية أن جميع الأعمال نُفذت وفق معايير السلامة الجوية المعتمدة، وأن المطار أصبح جاهزاً لاستقبال الطائرات المدنية بصورة تدريجية. ومع اكتمال أعمال التأهيل، أعلنت الجهات المختصة بدء تشغيل رحلات داخلية تربط دير الزور بالعاصمة دمشق، على أن يجري التوسع تدريجياً في شبكة الرحلات وفق الطلب والإمكانات التشغيلية.
كما أشارت تقارير إلى ترتيبات لإطلاق رحلات دولية مباشرة، من بينها رحلات من الكويت عبر شركات طيران إقليمية، بعد استكمال الموافقات الفنية والتشغيلية اللازمة. ويُتوقع أن تسهم هذه الرحلات في تسهيل حركة المسافرين، وخاصة أبناء محافظة دير الزور المقيمين في دول الخليج.
يرى خبراء اقتصاديون أن إعادة افتتاح المطار تمثل رافعة مهمة للاقتصاد المحلي، إذ يسهم النقل الجوي في تنشيط الحركة التجارية والاستثمارية.
وتعد دير الزور من المحافظات الغنية بالموارد الطبيعية، كما تتمتع بموقع جغرافي مهم يربط الشرق السوري ببقية المناطق، الأمر الذي يجعل وجود مطار عامل عنصراً أساسياً في دعم التنمية الاقتصادية.
ويتوقع أن يؤدي تشغيل المطار إلى: تسهيل انتقال رجال الأعمال والمستثمرين، وتسريع عمليات نقل البضائع ذات القيمة العالية، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، وتنشيط قطاع الخدمات، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. كما يمكن للمطار أن يشكل نقطة جذب للاستثمارات الجديدة، خاصة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والسياحة الداخلية. ويتوقع التجار أن يسهم تشغيل المطار في تنشيط الأسواق المحلية، إذ يسهل وصول الوفود التجارية والمستثمرين، ويقلل الزمن اللازم للتنقل. كما يمكن مستقبلاً تطوير خدمات الشحن الجوي، بما يسمح بنقل المنتجات الزراعية والغذائية وبعض الصناعات المحلية إلى الأسواق الداخلية والخارجية. ويعد الشحن الجوي أحد أهم عناصر دعم الاقتصاد في المناطق البعيدة جغرافياً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالبضائع سريعة التلف أو مرتفعة القيمة.
ورغم أهمية إعادة الافتتاح، فإن تشغيل المطار بصورة مستدامة يواجه عدداً من التحديات من أبرزها: الحفاظ على أعلى معايير السلامة الجوية، وضمان استمرارية أعمال الصيانة، وتوفير الكوادر الفنية المؤهلة، تطوير البنية التحتية المساندة، وزيادة عدد الرحلات تدريجياً بما يتناسب مع حجم الطلب. كما يتطلب نجاح المشروع استمرار الاستثمار في تجهيزات الملاحة الجوية والأمن والسلامة.
وتشير التصريحات الرسمية إلى أن إعادة تشغيل المطار تمثل بداية مرحلة تطوير أوسع، تشمل رفع الطاقة الاستيعابية للمطار، وتحسين الخدمات المقدمة للمسافرين، والعمل على استقطاب مزيد من شركات الطيران. كما يجري العمل على استكمال بعض المرافق الخدمية، وتوسيع نطاق الوجهات الجوية مستقبلاً، بما يربط دير الزور بعدد أكبر من المدن السورية والإقليمية. ويرى مختصون أن نجاح هذه الخطط سيعتمد على حجم الحركة الجوية، ومدى استقرار الظروف التشغيلية، واستمرار الاستثمار في قطاع النقل الجوي.
