المرحلة تفرض الارتقاء فوق الخلافات

كتب: عبدالكريم أحمد سعيد
تمر قضية شعب الجنوب بمرحلة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، وهو ما يفرض على القوى والنخب الجنوبية مستوى أعلى من الوعي والمسؤولية، وإعادة النظر في طريقة إدارة الخلافات والتباينات السياسية.
فالاختلاف في الرؤى والمواقف ظاهرة طبيعية في أي مسار سياسي، بل قد يكون ضرورياً لتصحيح السياسات ومراجعة الأخطاء، لكن خطورته تبدأ عندما يتحول من اختلاف في الراي إلى صراع شخصي، أو عندما يستخدم النقد لتصفية حسابات سابقة، بما يضعف الثقة ويعمق الانقسامات ويستنزف الطاقات التي يفترض توجيهها نحو القضايا والأولويات الكبرى.
وفي الظروف الاستثنائية، لا تقاس المسؤولية السياسية بحدة المواقف أو ارتفاع سقف الخطاب، وإنما بقدرة أصحابها على قراءة المشهد بصورة موضوعية، والتمييز بين ما يخدم القضية وما يضرها. فالمصلحة الوطنية تتطلب نقداً يصحح المسار، لا خطاباً يهدم جسور التواصل، وتتطلب مراجعة مسؤولة للماضي، لا إعادة إنتاج خلافاته داخل الحاضر.
إن التحديات التي تواجه الجنوب اليوم أكبر من أن تسمح باستمرار الدوران حول الخلافات الثانوية. فالمتغيرات المحيطة تفرض توحيد الجهود، وتعزيز التماسك السياسي والاجتماعي، والحفاظ على قنوات الحوار والتواصل بين مختلف القوى والشخصيات الجنوبية، لأن قوة أي موقف سياسي ترتبط بدرجة كبيرة بقدرته على بناء مساحة واسعة من التفاهم الداخلي.
كون المرحلة الراهنة تحتاج إلى عقل سياسي يتجاوز الحسابات الشخصية، ويضع المصلحة العليا لقضية شعب الجنوب فوق كل الاعتبارات. فالتمسك بالمبادئ لا يتعارض مع المرونة في إدارة الخلاف، والدفاع عن الموقف السياسي لا يستوجب إقصاء الآخرين أو الانتقاص من أدوارهم.
إن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الاستقطاب، بقدر حاجته إلى إعادة ترتيب الأولويات وبناء الثقة وتوسيع مساحات التوافق. وكلما اتسعت المخاطر المحيطة، أصبح واجبا أن ترتقي النخب السياسية بخطابها وممارساتها إلى مستوى المرحلة، وأن تدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين أبناء الصف الوطني الواحد، وإنما في كيفية حماية القضية وتعزيز حضورها والاستعداد للاستحقاقات القادمة.
فالمرحلة لا تحتمل استنزاف الطاقات الجنوبية، بل تفرض توحيد الجهود، وتحصين الصف الوطني، وإدارة الاختلاف بعقل سياسي مسؤول، لأن القضايا الكبرى لا تنتصر بتعدد الخصومات، وإنما بتماسك أصحابها وقدرتهم على تحويل اختلافاتهم إلى قوة سياسية تخدم الهدف الوطني الجامع.
