آداب و ثقافة

مرتضى ونور وسماح

كتب: د. مسعود عمشوش

كان القلم في يد مرتضى، أثقل مما ينبغي لقلم. وضع رأسه على الورقة، لكنه لم يوقع. رفع عينيه.
كان عمه أبو زوجته عمر بن ناصر يجلس إلى جواره، هادئًا كأن الأمر لا يعنيه. وعلى الطرف الآخر جلس رجلان من أهل السوق، يراقبان المشهد في صمت. أما الورقة فكانت ممدودة أمامه، بيضاء إلا من بضعة أسطر وأرقام كثيرة.
قال عمر بن ناصر:
— الأمر لك يا مرتضى.
لم يقل: وقّع.
لم يكن بحاجة إلى ذلك. أعاد مرتضى النظر إلى الورقة. كان اسمه في أعلى الصفحة. وتحته شيء آخر لم يعتد أن يراه مكتوبًا إلى جوار اسمه:
التنازل. فكر للحظة في أبيه. عمر القاضي. الرجل الذي كان يفتح دكانه قبل أن تفتح سيئون عينيها، ويعود إلى البيت بعد أن تكون المدينة قد أغلقت أبوابها.
الرجل الذي قال له ذات يوم:
-التجارة لا تحب من يركض وراءها. هي تأتي إلى من ينتظرها.
لم يفهم مرتضى يومها ماذا يعني أبوه. الآن، وهو يمسك القلم، شعر أنه فهم. لكن متأخرًا.
قال عمر بن ناصر:
— ستبقى التجارة في يدك، وما تفعله اليوم لن ينقصك شيئًا.
نظر مرتضى إليه.
كان يريد أن يسأله: -ولماذا أشعر أنه ينقصني؟
لكنه لم يسأل. وقّع. انتهى كل شيء. أو هكذا بدا له.

قبل سنوات قليلة، لم يكن مرتضى القاضي يعرف ماذا يريد من الحياة.
كان يعرف فقط ما لا يريد. لا يريد المدرسة. لا يريد الوظيفة. لا يريد أن يستيقظ مبكرًا. ولا يريد أن يجلس خلف ميزان أو دفتر حساب. كان ابن عمر القاضي، وهذه في نظره مهنة كافية.
كان أبوه يراه في الصباح نائمًا، فيعود إلى الدكان وحده. وحين كان يعود مساءً ويسأله:
— ماذا فعلت اليوم؟
يجيب مرتضى:
— لا شيء.
وكانت الإجابة صادقة.
حاول عمر أن يدخله المدرسة الثانوية النموذجية. تركها. حاول أن يعلمه التجارة. فشل. فتح له دكانًا صغيرًا قرب المستشفى. فشل أيضًا. كان مرتضى يعرف كيف ينفق المال، لكنه لا يعرف كيف يصنعه.
وإذا نفد ما في جيبه، عرف طريقًا آخر. أمه. كان يدخل عليها بوجه منكسر.
-أحتاج هذا المبلغ.
-لماذا؟
وكانت الحكاية جاهزة دائمًا. صديق مريض. دين قديم. حاجة طارئة. فتفتح الأم صندوقها الصغير. وتخرج منه ما تستطيع. ثم ينتهي الأمر في مقهى أو مطعم أو جيب أحد الأصدقاء.
أما ما يأخذه من دكان أبيه، فلم يكن يراه سرقة. كان يراه سلفة من ميراث لم يأت بعد. وكان يردد في نفسه: -كل هذا لي في النهاية.
لم يكن يعرف أن كلمة (في النهاية) قد تكون أخطر الكلمات التي يقولها الإنسان.

ثم ظهرت نور. أو ربما ظهرت أولًا في مكان آخر، ثم رآها هو. كانت أخت عباس الفتيني. طالبة في الثانوية. هادئة. هادئة إلى درجة جعلت مرتضى ينتبه إليها. لم تكن تلاحقه بنظراتها، ولم تحاول أن تلفت انتباهه. ولذلك لفتت انتباهه. بدأ يزور عباس أكثر. وفي كل زيارة كان يجد لنفسه سببًا جديدًا للبقاء.
حتى قال له عباس ذات مساء:
— أنت لا تأتي من أجلي.
ضحك مرتضى.
— بل من أجلك.
قال عباس:
— إذن لماذا تنظر إلى الباب كلما خرجت أختي؟
لم يضحك هذه المرة.
قال: — أريد أن أخطبها.
وصل الكلام إلى نور. لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذه الجملة.
كانت في سن تجعلها تصدق أن الحب يستطيع أن يغير الرجال.
وكان مرتضى بارعًا في تقديم النسخة التي تريدها الفتاة من الرجل.
كان يتحدث عن المستقبل كما لو أنه يعرفه. وكانت نور تسمعه.
وربما أحبّت في تلك الأيام مستقبلًا لم يكن موجودًا إلا في كلامه.
لكن هناك اسمًا آخر كان يعيش في مكان ما من حياة مرتضى. سماح.
لم تعرف نور الاسم في البداية. ولم يكن مرتضى يتوقع أن تعرفه. كانت سماح أخت خالد عمر بن ناصر، صديقه القديم. وقد بدأ الأمر معها بالطريقة نفسها. زيارة لصديق. حديث عابر. نظرة أطول مما ينبغي. ثم انتظار.
لكن خالدًا لم يكن عباس. حين اكتشف ما يجري، أغلق الباب في وجه مرتضى. قال له:
— لا تقترب من أختي.
ابتعد مرتضى. هكذا بدا الأمر.
لكن بعض العلاقات لا تنتهي عندما يُغلق الباب.
تنتهي فقط عندما تتوقف الذاكرة عن طرقه.

كانت نور مخطوبة لابن عمها حين عرف مرتضى ذلك. ولم يتقبل الأمر.
قال لعباس:
— ساعدني.
— في ماذا؟
— أريد فسخ الخطوبة.
نظر عباس إليه طويلًا.
— وهل تعرف ماذا تفعل؟
— أعرف.
ثم قال مرتضى:
— سأعطيك ثمن باص فوكسي يعمل بالغاز.
كان المال يعرف كيف يفتح الأبواب.
تحركت الكلمات من بيت إلى بيت.
وتحدث هذا مع ذاك.
وفي النهاية فُسخت الخطوبة.
لكن محمد الفتيني، والد نور، لم ينسَ الطريقة التي حدث بها كل شيء.
كان يرى أمامه شابًا لم يثبت بعد أنه يستطيع أن يدير نفسه، فكيف يدير بيتًا؟
رفض. وانتهى الأمر. إلى أن مرض عمر القاضي.
حدثت الجلطة في صباح لم يكن مختلفًا عن أي صباح آخر. لكن بعد ذلك الصباح لم يعد شيء كما كان. الرجل الذي كان يمسك السوق بيده صار عاجزًا عن رفع يده. الدكاكين التي كان يعرف حساباتها عن ظهر قلب أصبحت تنتظر ابنًا لا يعرف الحساب. وفجأة، وجد مرتضى نفسه في المكان الذي ظل يهرب منه طوال حياته. المسؤولية. في الأيام الأولى كان يذهب إلى الدكان خائفًا. ثم اكتشف شيئًا آخر. الناس ينادونه:
-يا مرتضى.
والتجار ينتظرون رأيه. والعمال يطلبون تعليماته. والأبواب التي كان أبوه يفتحها صارت تُفتح باسمه. أعجبه الأمر. ربما لأول مرة شعر أنه رجل.
ذهب إلى بيت الفتيني. هذه المرة لم يكن الشاب الذي يطلب فتاة. كان ابن عمر القاضي. ولذلك تغيرت النظرات. بعد قليل تمت الخطوبة.
ثم الزواج.
دخلت نور بيت آل القاضي. وكانت سعيدة. لأسبوع تقريبًا.
لم يكن أول ما قتل سعادتها خيانة. كان اسمًا. سماح.
قالته امرأة في مجلس نسائي، ثم واصلت حديثها كأنها لم تقل شيئًا.
لكن الاسم بقي. سألت نور. ظهرت التفاصيل. لم تكن سماح قصة بعيدة.
كانت قصة قريبة جدًا. وكان زوجها قد عرفها قبلها.
في تلك الليلة لم تنم. وحين عاد مرتضى في اليوم التالي، قالت:
— هل تعرف سماح؟
تغير وجهه. لحظة واحدة فقط. لكنها كانت كافية.
— من قال لك؟
قالت: — لم أسألك من قال. سألتك إن كنت تعرفها.
— معرفة قديمة.
— وهل انتهت؟
— نعم.
نظرت إليه.
— هل أنت متأكد؟
قال: — طبعًا.
قالت: — إذن لماذا يبدو وجهك كأنني فتحت بابًا كنت تحاول إغلاقه؟
لم يجب.

بعدها بدأت الرسائل.
رسالة قصيرة.
ثم أخرى.
ثم رسالة لا تحمل اسمًا:
-إذا أردت أن تعرفي الحقيقة، اسألي مرتضى أين كان مساء الخميس.
لم تسأله. راقبته. وفي اليوم التالي قالت:
— كيف حال الدكان؟
— بخير.
— وأين كنت أمس؟
— في السوق.
— أي سوق؟
توقف. قال:
— سوق سيئون.
لم تقل شيئًا. لكن شيئًا داخلها قال لها: كذب.
منذ تلك اللحظة لم يعد الزواج كما كان. كانت نور تعيش مع رجل، وتعيش في الوقت نفسه مع السؤال الذي لم تجد له جوابًا.
وفي الخارج كانت تجارة القاضي تتهاوى. الديون تكبر. والبضاعة تتحرك بلا حساب. وعمر القاضي في فراشه. وفي اللحظة التي كان مرتضى يحاول فيها أن يبدو قويًا، ظهر عمر بن ناصر. لم يدخل حياته فجأة.
كان هناك من قبل. لكن هذه المرة دخل من باب التجارة.
قال: — أنت تحتاج إلى من يعرف السوق.
كان يعرفه فعلًا. حل مشكلة. سد دينًا. تحدث مع تاجر. رتب حسابًا.
وبدأ مرتضى يعتمد عليه. قال له ذات مساء:
— أنت تستطيع أن تكون أفضل مما أنت عليه.
كانت الجملة بسيطة.
لكنها أصابت شيئًا في داخله.
كان مرتضى يريد شخصًا يؤمن به.
وعمر بن ناصر كان يعرف ذلك.

ثم عاد اسم سماح. هذه المرة لم يكن في رسالة. كان في بيتها. جلس مرتضى أمامها. قال:
— ظلمتك.
سألته: — وماذا تريد الآن؟
— أريد أن أتزوجك.
ضحكت سماح، لكن ضحكتها لم تكن فرحًا.
— وأين زوجتك؟
سكت.
— مرتضى… أنت متزوج.
— أعرف.
— إذن لماذا جئت؟
لم يجد جوابًا.
قالت: — إذا أردتني، فأغلق بابك القديم.
عاد إلى البيت. وكانت نور قد وصلت إلى النتيجة نفسها دون أن تسمعه.
قالت لأبيها: — لا أستطيع.
سألها: — هل تكرهينه؟
قالت: — لا.
ثم سكتت. وأضافت:
— لكنني لم أعد أصدقه.
وهذه، في بعض الزيجات، أقسى من الكراهية.
تم الطلاق بهدوء. لم تصرخ نور. لم تشتم. ولم تطلب شيئًا. عادت إلى بيت أبيها. وفي غرفتها، جلست أمام النافذة.
كانت سيئون تمتد أمامها هادئة، كأن المدينة لا تعرف أن امرأة خرجت منها الآن وهي تحمل نصف حياة لم تعشها. لم تبكِ على مرتضى. بكت على نفسها. على الفتاة التي صدقت كلامًا أكثر مما صدقت عينيها.

بعد أيام تزوج مرتضى سماح. دخل عمر بن ناصر بيت القاضي من الباب الكبير. وكان كل شيء مرتبًا. الزواج. والشراكة. والتجارة حتى بدا أن مرتضى ربح أخيرًا.
لكن عمر بن ناصر لم يكن رجلًا يترك الأشياء للصدفة بعد الزواج بدأ الحديث عن الممتلكات.
قال: — أنت الآن متزوج.
قال مرتضى: — نعم.
— وما تملكه اليوم سيكون غدًا لك ولزوجتك. لم يفهم مرتضى في البداية. ثم فهم.
لم يطلب منه الرجل أن يتنازل. كان أذكى من ذلك. ترك له أن يطلب من نفسه. تكرر الحديث. مرة باسم الاستقرار. ومرة باسم الشراكة.
ومرة باسم المستقبل. وفي النهاية جلس مرتضى أمام الورقة.

وهنا عاد القلم إلى يده.
كان اسمه مكتوبًا.
وكان نصيبه مكتوبًا.
وكان التنازل واضحًا.
رفع رأسه نحو عمر بن ناصر.
قال: — هل تعتقد أن هذا أفضل؟
ابتسم الرجل. — الأفضل لمن؟
لم يجب مرتضى. نظر إلى الورقة.
ثم وقع.

في المساء، كانت سماح تنتظره. قالت:
— هل وقعت؟
— نعم.
— وهل أنت نادم؟
نظر إليها. ثم قال:
— لا.
ابتسمت. — إذن دعنا نبدأ.
اقترب منها. جلس.
لكن شيئًا ما ظل يزعجه. لم يكن يعرف ما هو. ربما كان اسمًا. ربما وجهًا. ربما نافذة في بيت بعيد. وربما كان مجرد إحساس غامض بأن بعض الأشياء لا تُغلق بالتوقيع.
**
في تلك الليلة أغلقت نور نافذتها.
**
وفي بيت آخر، أغلقت سماح باب غرفتها. أما مرتضى فظل وحده في الدكان. أشعل الضوء. فتح دفتر الحساب. راح يقلب الصفحات. أسماء. أرقام. ديون. ممتلكات. وفي الصفحة الأخيرة وجد شيئًا لم يكن يبحث عنه.
خط أبيه. كان عمر قد كتب قبل مرضه جملة قصيرة في هامش أحد الدفاتر: (التاجر الذي لا يعرف ما له، سيعرف يومًا ما ليس له.)
ظل مرتضى يحدق في الجملة. ثم أغلق الدفتر. في الخارج، كانت سيئون قد نامت تقريبًا.
السوق خالٍ. الأبواب مغلقة. والليل ينساب في الأزقة القديمة. نهض مرتضى وأطفأ الضوء. وقبل أن يغلق باب الدكان، التفت إلى الداخل.
للحظة، خُيّل إليه أنه رأى أباه واقفًا هناك. كما كان قديمًا. بثوبه الأبيض.
وبوجهه المتعب. وبيده دفتر الحساب. قال مرتضى بصوت خافت:
— سامحني يا أبي
. لكن الدكان لم يجب. أغلق الباب. ومضى. لم يكن يعرف أن نور بدأت حياتها من جديد بعيدًا عنه. ولم يكن يعرف أن سماح، التي ظن أنها النهاية السعيدة لكل ما أراد، بدأت تكتشف شيئًا آخر عن الرجل الذي تزوجته. ولم يكن يعرف أيضًا أن عمر بن ناصر لم يكن قد انتهى بعد من حساباته. كان يظن أنه وقع على ورقة. بينما كان، في الحقيقة، قد وقع على حياته كلها.
وفي مكان ما من سيئون، كانت ساعة قد تجاوزت منتصف الليل.
ولأول مرة، لم يكن مرتضى يعرف إلى أي جهة ينبغي أن يذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى