مقالات

فوز طبيب نفسي بجائزة نوبل في الطب … والفضل لطحلب أخضر في بركة ماء.

كتب: د. محمد الخواجا
استشاري الطب النفسي

 

 

حين يسمع أي إنسان طبيعي كلمة “Optogenetics” فإنه يتثاءب ويبحث عن فيديو قطط. وأنا لا ألومه. الكلمة تبدو كاسم دواء للقولون أو شركة شحن ألمانية.

لكن امنحني خمس دقائق. وإن شعرت بالملل بعدها، فالقطط لن تهرب.

القصة تبدأ، كما تبدأ أعظم القصص في العلم، من مكان مهين تمامًا:

طحلب أخضر في بركة ماء.

نعم. ليس عالمًا عبقريًا في مختبر سري تحت الأرض، ولا نيزكًا سقط من السماء. طحلب صغير اسمه Chlamydomonas، لا يملك دماغًا ولا شهادة ولا حسابًا على فيسبوك.

هذا الطحلب يحتاج الضوء ليعيش، فهو يسبح نحوه. وكيف يعرف أين الضوء؟ لديه بروتين صغير في غشائه يعمل كـ”عين” بدائية جدًا. حين يسقط عليه الضوء، ينفتح كباب صغير، فتندفع شحنات كهربائية إلى داخل الخلية.

ضوء… فينفتح الباب.

لا ضوء… فينغلق.

في أوائل الألفية، اكتشف عالمان ألمانيان هما Peter Hegemann وGeorg Nagel أن هذا البروتين، واسمه Channelrhodopsin، يعمل بسرعة ودقة مدهشتين. (وللأمانة، Nagel رجل عاش حياة غريبة: عمل مدرسًا، وفتح مقهى، ومارس الطيران الشراعي. يبدو أن الطريق إلى نوبل لا يمر دائمًا من أمام باب المختبر).

حتى الآن القصة لطيفة، لكنها لا تخصك.

ثم دخل طبيب نفسي إلى الحكاية.

اسمه Karl Deisseroth، من جامعة ستانفورد. والتفصيلة المهمة هنا أنه ليس مجرد باحث، بل طبيب نفسي رأى بعينيه معاناة المرضى، ورأى كم نحن عاجزون أحيانًا عن فهم ما يحدث داخل رؤوسهم.

وفكّر Deisseroth فكرة تبدو كأنها خطرت لشخص لم ينم منذ ثلاثة أيام:

“ماذا لو أخذنا جين هذا البروتين من الطحلب… وزرعناه في خلية عصبية؟”

ولأن العلم أحيانًا يكافئ الجنون المنظَّم، فعلوا ذلك في 2005.

والنتيجة؟

أصبحت الخلية العصبية تُطيع الضوء.

تسلّط عليها ضوءًا أزرق… فتنطلق.

وباستخدام بروتينات أخرى، يحدث العكس: تسلّط الضوء… فتصمت.

تخيّل أنك فجأة تملك مفتاح كهرباء لمجموعة محددة جدًا من خلايا الدماغ. ليس الدماغ كله، ليس منطقة كاملة، بل نوعًا واحدًا من الخلايا في مكان واحد. تشغّلها وتطفئها كما تشغّل نور المطبخ.

وفي الخامس من أكتوبر 2026، قررت لجنة نوبل أن هذا المفتاح الصغير يستحق جائزة الطب، ومنحتها لثلاثتهم.

“حسنًا يا دكتور. علماء يضيئون أدمغة الفئران. مبروك لهم. وما شأني أنا؟”

سؤال عادل. وإليك الجواب.

نحن منذ عقود نستطيع تصوير الدماغ. نرى أن منطقة معينة تتوهج حين يخاف الإنسان، وأن أخرى تتغير عند المكتئبين.

لكن هنا تكمن مشكلة خبيثة جدًا:

هل هذه المنطقة هي التي صنعت الخوف؟ أم أنها كانت هناك فقط، تتفرّج؟

فكّر في الأمر هكذا: في كل حريق كبير ستجد رجال إطفاء. لو كنت كائنًا فضائيًا يراقب الأرض من بعيد، لاستنتجت بثقة أن رجال الإطفاء هم من يشعلون الحرائق. فهم موجودون دائمًا في مكان الجريمة!

هذا بالضبط ما كان يحدث في علم الأعصاب. نرى الحضور، لكننا لا نعرف الفاعل.

الـOptogenetics حلّت هذه المعضلة ببساطة مرعبة:

لا تراقب .. جرّب.

شغّل هذه الدائرة وحدها … هل ظهر الخوف؟

أطفئها … هل اختفى؟

لأول مرة صار بإمكان العلماء أن يقولوا: ليس “هذه المنطقة ترافق السلوك”، بل “هذه الدائرة تصنع السلوك”.

وهذا هو الفرق بين أن تشكّ في المتهم… وأن تمسكه متلبسًا.

والآن… لماذا أكتب عن هذا وأنا طبيب نفسي؟

لأن الدماغ ليس علبة فيها قليل من السيروتونين وبعض من الدوبامين، نضيف قليلًا من هذا وننقص قليلًا من ذاك كأننا نعدّل ملح الطبخة.

الدماغ شبكة. ستة وثمانون مليار خلية تتحادث في دوائر معقدة إلى درجة تجعل شبكة الكهرباء في أي مدينة تبدو كلعبة أطفال.

والسؤال الحديث لم يعد: كم عندك من السيروتونين؟

بل: أي خلية؟ تكلّم مَن؟ متى؟ وإلى أين ترسل رسالتها؟

خذ الاكتئاب مثلًا. نحن نضع تحت هذا الاسم الواحد بشرًا مختلفين تمامًا:

واحد فقد القدرة على الاستمتاع بأي شيء، حتى بالأشياء التي كان يحبها.

وآخر عالق في دوامة أفكار تدور في رأسه طوال الليل.

وثالث لا يشعر بالحزن أصلًا، بل بثقل وانطفاء وانسحاب.

التشخيص واحد. لكن ماذا لو كانت الدائرة المعطّلة مختلفة عند كل واحد منهم؟ ربما لهذا يتحسن مريض على دواء معين، ولا يتحرك آخر قيد أنملة على الدواء نفسه.

وفي الصدمة النفسية، هناك ذلك اللغز القاسي الذي يعرفه كل من عاش حربًا أو فقدًا: عقلك يعرف تمامًا أنك آمن الآن… لكن جسدك يتصرف وكأن الخطر ما زال في الغرفة. لماذا؟ أي دائرة تجعل ذكرى قديمة تتصرف كأنها تحدث الآن؟

وفي الإدمان، هناك المشهد الذي يعرفه كل من عمل مع المدمنين: إنسان توقف سنوات. ثم يمر بشارع قديم، أو يشم رائحة، أو يسمع أغنية… وفجأة يتذكّر جسده شيئًا ظن صاحبه أنه نسيه.

هذه ليست “قلة إرادة” كما يحب البعض أن يقول. هذه شبكة تعلّمت وحفظت، وتستطيع أن تستيقظ.

الـOptogenetics هي التي سمحت لنا أن نتتبّع هذه الشبكات واحدة واحدة.

كيف سيبدو الطب النفسي القادم؟

لا تقلق. لن يتحول طبيبك النفسي إلى كهربائي يجلس أمام لوحة مفاتيح ويضغط زرًا مكتوبًا عليه “إيقاف الحزن”. (ولو حدث هذا، فاهرب).

سيبقى يسألك عن نومك، وشهيتك، وعلاقاتك، وما مررت به. لأن الإنسان سيبقى إنسانًا، لا صورة رنين مغناطيسي تمشي على قدمين.

لكن ربما يضيف إلى السؤال القديم “ما تشخيصك؟” أسئلة جديدة:

أي وظيفة نفسية تعطّلت؟ وأي دائرة تقف خلفها؟ وكيف نعيد ضبطها؟

وقد يكون الجواب دواءً أدق، أو علاجًا نفسيًا موجّهًا، أو تحفيزًا مغناطيسيًا للدماغ (TMS) يستهدف الدائرة الصحيحة بالضبط. وربما، يومًا ما، أجهزة صغيرة تراقب نشاط شبكة معينة لحظة بلحظة، وتتدخل فقط حين تبدأ بالانزلاق نحو النمط المرضي. شيء يشبه منظّم ضربات القلب… لكن لبعض دوائر الدماغ.

والآن، دعنا نهدأ قليلًا قبل أن نشتري المصابيح.

الـOptogenetics اليوم ما زالت أداة بحث بالدرجة الأولى، ومعظم تجاربها الدقيقة أُجريت على الحيوانات. لن تدخل عيادتك غدًا ويضعون مصباحًا في رأسك. (هناك استثناء مثير: استُخدمت الفكرة نفسها لمساعدة مريض فاقد للبصر على استعادة جزء من الرؤية، لكن هذه قصة أخرى).

والأهم: الدماغ البشري ليس دماغ فأر أكبر حجمًا. الفأر لا يحمل طفولة، ولا حبًا ضائعًا، ولا بلداً تحت الحرب، ولا أسئلة عن معنى وجوده في الثالثة فجرًا.

المعاناة النفسية ستبقى دائمًا تلك النقطة الغريبة التي يلتقي فيها الدماغ بالذاكرة بالعلاقات بالبيئة بالمعنى. ولن تختصرها أي دائرة كهربائية.

لكن ما فعله هؤلاء الثلاثة أنهم أعطونا شيئًا كان ينقصنا بشدة: القدرة على أن نسأل دائرة عصبية محددة سؤالًا محددًا… ونحصل على جواب.

العلم لا يهدم الطابق القديم كلما اكتشف شيئًا. إنه يبني فوقه.

الطب النفسي بدأ بوصف الأعراض. ثم تعلّم تعديل كيمياء الدماغ. والآن يتعلم لغة الشبكات والدوائر.

وربما ننظر يومًا إلى تصنيفاتنا الحالية فنراها كالخرائط القديمة التي رسمها البحّارة الأوائل: مفيدة، أنقذت ملايين البشر، لكنها لم تكن تعرف كل الأنهار والجبال بعد.

كل هذا بدأ… بطحلب يبحث عن الشمس.

مرحبًا بالطب النفسي القادم.

د. محمد الخواجا
استشاري الطب النفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى