بصراحة ووضوح.. إنجازات رشاد العليمي

بقلم: عيدروس نصر
حينما جرى الانقلاب على الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي يوم 7 أبريل 2022م جرى تصوير ما سُمِّي بـ”بيان نقل السلطة” على إنه خطوةٌ تاريخيةٌ ستعيد الجمهورية وستحفظ الوحدة اليمنية وستقوم بعملية التنمية الشاملة، وستقضي على الفساد وعلى أزمة الخدمات وستبني جيشًا وطنيًّا عرمرمًا يشمل اليمن كل اليمن “من المهرة إلى صعدة” كما يكررون دائمًا.
وذهب بعض المداحين ومحترفي صناعة الأصنام إلى القول “إن اليمن لأول مرَّةٍ في تاريخها لديها رئيسٌ يجيد اللغة العربية” وكأن جميع الرؤساء السابقين كانوا يتحدثون لغة سكان غابات الأمازون، أو كأن اليمنيين لديهم أزمة في معلمِّي قواعد النحو العربي وعلم العروض والنقد الأدبي.
واليوم وبعد مضي ما يقارب السنوات الخمس على تسنُّم الجهبذ التاريخي وسيبويه اليمن رشاد العليمي لموقع رئاسة البلد، مع مجلسه السباعي “الذائع الصيت” يمكن إجراء جردٍ بسيطٍ للمنجزات التاريخية لعبقريته الفذة.
ما قبل مرحلة رشاد العليمي كان مستوى الخدمات في محافظات الجنوب سيئًا (ونحن نتحدث عن محافظات الجنوب لأنها المنطقة الوحيدة لهيمنة سلطة شرعية رشاد)، وكان حضور مؤسسات الدولة مقبولًا ولم يكن مثاليًّا بطبيعة الحال، وكانت المرتبات الشهرية للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين تتقطع ثم تاتي بعد عدة أشهر وكانت أسعار السلع الاستهلاكية تفوق قدرة المواطن العادي الذي يمثل السواد الأعظم من السكان، وهذا وضع لم يكن مقبولًا كما يعلم الجميع، لكن هذه الوظائف الأساسية وما شابهها من وظائف أية سلطة حديثة أو حتى بدائية، قد بلغت في عهد رشاد العليمي مستوىً من السوء يستحيل العثور على ما هو أسوأ منه.
لقد ظل إعلام اسطنبول ومن لف لفَّه من إعلام شرعية رشاد العليمي يبررون فشل “فخامته” في إداء مهماته بوجود المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة والأمنية الجنوبية، وأنه إذا ما تم التخلص من المجلس الانتقالي وقيادته ومن القوات الجنوبية ستصبح صنعاء على مرمى حجر الشرعية و”قواتها الباسلة”، ولا أدري كيف انطلت هذه الكذبة الفجَّة على الأشقاء في المملكة العربية السعودية ليقوموا بضرب القوات الجنوبية في حضرموت ومن ثم التسريع في ما سُمِّي بـ”حل المجلس الانتقالي”، واعتقد الواهمون بأن رشاد العليمي سيعود إلى عدن عودة الفاتحين، كما عاد طارق ابن زياد وموسى بن نصير إلى العاصمة الأموية دمشق بعد فتح الأندلس، أما الحوثي وجماعته فقد صور إعلام الشرعية للجميع بأنهم قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة والاستسلام بمجرد القضاء على القوات الجنوبية وحل المجلس الانتقالي، فقام رشاد العليمي في ما بعد بإصدار قراره بما أسماه بـ”النفير العام” ثم “إعلان عملية فجر اليمن”، لكن الأيام والأسابيع مضت دون أن يطلع “فجرُ اليمن” ولم يظهر له ضوءٌ وسادت العتمة لتصبح هي القاعدة وليغدو الضوء هو الاستثناء، فاستأسد الحوثيون واحتلوا جميع محافظة تعز ومنها مديرية العليمي وقصره الفخم، ولم يتبقَّ إلَّا بعض أحياء المدينة التي يقاوم فيها أبناؤها الأبطال بشجاعة لا يمتلكها أحد من قادة شرعية “فخامته”، كما استكمل الحوثيون سيطرتهم على كامل الساحل الغربي ومديريات ذُباب وباب المندب وجزيرة ميون الجنوبية، ولم ينخرط أحدٌ في “عملية فجر اليمن” لمواجهة الحوثيين سوى ما تبقى من القوات الجنوبية التي قالوا عنها في سيئون بانها “صهيونية” وإن تدميرها هو إحباط للمخطط “الصهيوني” فتحولت هذه القوات من “صهيونية” في حضرموت إلى “قوات الشرعية” في باب المندب وحدود الصبَّيحة.
ومن إنجازات رشاد العليمي قراره الشهير بقطع العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، رغم كل ما قدمته من تضحيات ومن خدمات ومن دعم عسكري ومن بناء مؤسسي ومن ادإعانات لوجستية وتأهيلية، ومن إسناد للقوات الجنوبية والمقاومة التهامية حتى بلغت مشارف مدينة الحديدة، فكانت مكافأة رشاد العليمي الاستغناء عن هذا الدعم، مكتفيًا بـ”جيشه الوطني” الذي لا وجود له إلَّا في قوائم المرتبات، وحينما حانت اللحظة وفكَّرت الشقيقتان السعودية والإمارات باعادة مياه العلاقة بينهما إلى مجاريها كان الأوان قد فات ولم يعد من الممكن ترميم الزجاج الذي تسبب في تهشيمهِ رشاد العليمي بقراره الأحمق من الحماقة نفسها.
وللتذكير فقط فإن الدعم الإماراتي بجانب المقاومة الباسلة لأبناء الجنوب وقواتهم المسلحة قد كانا العاملين الحاسمين في تحرير كامل محافظات الجنوب التي وصل إليها الحوثيون، ولم يبقَ الَّا المنطقة العسكرية الأولى التي كانت قواتها خليطًا من أنصار الحوثي وأنصار الشرعية لكنها كانت خادمًا مخلصًا وأمينًا للجماعة الحوثية.
إننا ما نزال نعتقد أن المملكة الشقيقة قد كانت صادقةً حينما أعلنت أن الهدف الرئيسي لعملية “عاصفة الحزم” هو إنهاء الانقلاب وإعادة الشرعية إلى العاصمة اليمنية صنعاء، ولا نصدِّقُ ما ظلَّ يردِّدُهُ إعلام اسطنبول وأعوانه بـ”أن السعودية لم تتدخل إلَّا لتدمير اليمن” فاليمن قد دمَّرها قادتها السياسيون والعسكريون والقبليون، قبل التدخل السعودي بسنوات؛ لكنَّنا نعتقد أيضًا أن المملكة الشقيقة تمتلك من القدرة والواقعية السياسية والحاجة الملحة ما يمكِّنُها من إجراء تقييمٍ دقيقٍ لمسارات “عملية عاصفة الحزم” منذ انطلاقها حتى اللحظة الراهنة، وأين نجحت العملية وفي ماذا أخفقت، وما أسباب النجاح وخلفياته، وما عوامل الإخفاق ونتائجه، وبشكل رئيسي لماذا نجح الجنوبيون في تحرير أرضهم من التحالف الانقلابي في أقلِّ من مائة يوم، ولماذا فشلت القيادات الشمالية في الدفاع عن المحافظات التي كانت بحوزة قوات الشرعية لسنواتٍ بعد انطلاق عاصفة الحزم ثم سلمتها للحوثي في أقل من مائة يوم؟
أما رشاد العليمي ومجلسه السباعي ومن يدور في فلكهم فإن مساءلتهم ستكون أمام التاريخ الذي لا يرحم الماكرين والمخادعين والعابثين والمتخاذلين والمنافقين.
