مقالات

أسطورة المقاتل.. محمد الشفرة

د. عيدروس النقيب

د. عيدروس النقيب

سياسي جنوبي
لن أسميه الشهيد رغم أن الشهادة شرف طالما سعى لها ووقف أمامها وجها لوجه أكثر من مرة؛ ولن أعرفه بالفقيد لأن أمثال محمد لا يفقدون ولا يضلون طريقهم؛ أقول هذا لأن ما لدي من معلومات عنه تأتي عن طريق تسريبات متناقضة يقول بعضها أن الرجل ذهب ضحية انفجار لغم افقده حياته، وتقول أخرى أنه قتل في المواجهة مع قوات الانقلاب السلالي؛ وتقول ثالثة أنه اضاع الطريق وما يزال البحث عنه جارياً وتقول رابعة أنه أسيرٌ لدى الجماعة الانقلابية؛ هذه المعطيات تؤكد الطبيعة الاسطورية للرجل وما تعرض له من وقائع خارقة اقترب بها من أولائك الأبطال الأسطوريين الذين تدون أسماؤهم الروايات وتتحدث عنهم كتب التاريخ بما عاشوه (أو لم يعيشوه) من أحداث ملحمية جعلتهم وحيواتهم جزءً من الخوارق التاريخية.
لم يسع محمد عبد القوي اليزيدي (المعروف بمحمد الشفره) لم يسع للشهرة ولم يبحث عنها.
كان عسكريا بسيطا تخرج من الكلية العسكرية وانخرط في الجيش الجنوبي عندما كان للجنوب جيشا احترافياً، وقادته التربية العسكرية والوطنية التي تلقاها إلى أعمال بطولية لم يقدم عليها الكثيرون ممن يتبوأون اليوم المناصب العسكرية والحكومية والأمنية الرفيعة، دون ان يطلب مكافأة من احد أو يبحث عن ترقيةٍ عند أحد.
تنقل الشفره في مناصب عديدة ومواقع ومناطق عديدة بصمت المجاهدين وعزيمة الفدائيين ونكران ذات الجنود المجهولين.
تعرفت على محمد الشفره في العام ١٩٩٥م بعد حصولي على الدكتوراه من بلغاريا وانتقالي إلى شارع البطالة الإجبارية وكان تعرفي عليه عن طريق شقيقي العقيد عبد السلام نصر زميله في الكلية العسكرية وفي رحلة العمل العسكري اللاحق حتى ١٩٩٤م.
أثناء الغزو الأول للجنوب في العام ١٩٩٤م قاتل الشفرة قتال الابطال الاستثنائيين حيث كان مرابطا في جبهة بير أحمد . . وبحكم الاكتساح الهمجي المعتمد على كثافة المهاجمين وعلى تكثيف الآليات العسكرية الغازية، وبعبارة أخرى اختلال ميزان القوى لصالح الغزاة عدةً وعتاداً فقد انكسرت جبهة بير أحمد مثلها مثل بقية الجبهات وانسحب المقاتلون. . . لكن محمد بقي في مترسه يواجه القوات المهاجمة ويصد منهم من يصد حتى انفجرت بجانبه قذيفة مدفعية أصابته بعدة إصابات وصار ظهره أشبه بغربال من كثرة الشظايا التي أصابته.
كان قائد هذه الجبهة المناضل العقيد (حينها) صالح عبد الصري الذي كان يشغل منصب قائد الدفاع الساحلي لعموم الجمهورية اليمنية منذ العام ١٩٩٠م.
قال العقيد الصري لرجاله. . . لن ننسحب حتى تأتوني بالشفره حيا أو ميتا. . .؛ وانتشر الرجال في طول الصحرا وعرضها وعلى مرمى مدفعيات الغزاة ودبابتهم، بحثا عن الشفره
 
لكنهم عندما وصلوا إلى الموقع الذي كان فيه الشفرة لم يجدوه وانما وجدوا الكثير من الدماء فاعتقدوا بانه قد قتل ويمكن اتت مجموعة وأخذوا جثته، وانتشر خبر استشهاده في كل مكان.
والحقيقة هي ان الشفرة بعد ان اصيب قام بالزحف (على بطنه) وهو ينزف دماً لمسافة اكثر من 8 كم حتى وصل عند كتيبة صديقة تابعة للدفاع الجوي، لكن المشكلة تكمن في ان افراد تلك الكتيبة عندما شاهدوه يزحف باتجاههم اعتقدوا انه استطلاع العدو ووجهوا اسلحتم عليه بقصد إ اطلاق النار عليه وتصفيته، وفي تلك اللحظة قام باعطائهم أشارة برفع يده وعندما وصلوا اليه وعرفوا انه صديق وانه مصاب وقاموا باسعافه الى مستشفى الجمهورية.
بعد حوالي اسبوع احد رفاق الشفرة ذهب الى مستشفى الجمهورية لغرض زيارة احد اقربائه مصاب وفجاءة وجد الشفرة مصاب وممدد في نفس الغرفة الممدد فيها قريبه وبعد ان عرفه وتأكد من انه الشفرة رجع الى المعسكر واخبر رفاقه ان الشفرة ﻻزال على قيد الحياة وهو في مستشفى الجمهورية؛ وقد كان هذا الخبر بمثابة بشارة بثت الف حة والسرور لدى كل اهله وزملائه ورفاقه الذين كانوا حتى ذلك اليوم يعتبرون الشفره في عداد الموتى.
في الغزو الثاني للجنوب (٢٠١٥م)
قاتل اليطل محمد الشفرة قتالا ضاريا وكنت مدفعيته تسقي الغزاة كؤوس المرارة طوال الاشهر الثلاثة التالية للغزو وساهم مع رفاقه القادة والجنود النظاميين والمتطوعين في كسر مشروع الغزو الثاني وإجبار مليشيات عفاش والحوثي على الانسحاب متخلية حتى عن دفن جثث قتلاها وإنقاذ جرحاها.
ولربما يأتي اليوم الذي نحصل فيه على المزيد من التفاصيل عن مساهمات هذا البطل في تلك الحرب وما قد تكتنف هذا الدور من لحظات أسطورية كما هي العادة في حياة المقاتل الاستثنائي محمد الشفره
لا يمكن الإلمام بكل تفاصيل حياة هذا البطل (الجندي الأسطورة) في نطاق مقاله قصيره كهذه وربما نتناول ذلك لاحقا في منشور خاص.


من أطرف ما يروى عن البطل الشفره إنه وبعد عودة النازحين الجنوبيين في العام ٢٠٠٤م ، وحيث جرت العادة أن يستقبل العائدون من قبل ضباط استخبارات نظام عفاش للتحقيق معهم، على سبيل التمتع بالإهانة والإذلال، حينما وجه له المخبر أسئلة بعضها روتيني وبعضها ذا بعد سياسي وعسكري من قبيل: أين قاتلت في حرب (الانفصال؟) ( على حد تعبيرهم)؛ من كان قائدك؟ ما هي العمليات التي شاركت فيها؟ ما رأيك في العفو الصادر من فخامة الزعيم الرمز؟
وعندما وصل إلى السؤال: لماذا قاتلتمونا في حرب ٩٤م؟ وإلى ماذا كنتم تهدفون؟ رد الشفرة وهو يبتسم ساخرا: قاتلناكم لأنكم قاتلتمونا؟ أنتم جئتم إلى ارضنا لتقاتلونا ولم نأت نحن لمقاتلتكم في ارضكم؛ أما ما كنا نهدف إليه فهو القضاء عليكم لأنكم جئتم للقضاء علينا.
ضحك المخبر وقال له خلاص أُقفِل المحضر تفضل وروح استلم مستحقاتك.
لن أقول الله يرحمه رغم ان رحمة الله مطلوبة للحي وللميت لكنني اترك هذا المنشور مفتوحاً ولدي شعور ان الشفره سيظهر ذات يوم كما ظهر بعد خبر استشهاده في عام ٩٤م؛ ما لم أتلق بيانا رسمياً من جهة رسمية يعلن الحقيقة الكاملة عن مصير محمد الشفره.
نعم لم يكن الشفره يحب الظهور ولم يتحدث عن بطولاته ولم يمدح نفسه كما لم يمدحه أحد لكنه كان من ذلك النوع من المقاتلين الذين يصنعون الأسطورة وبعد الانتهاء منها يتوارون عن الاضواء لممارسة حياة البسطاء من الابطال المغمورين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى