2019/06/24 - 5:05م
أخبار عاجلة
الرئيسية / آداب و ثقافة / قراءة في قصيدة ” الجفاف.. لغة البئر، أيضا ” للشاعر العدني الكبير/عبدالرحمن فخري

قراءة في قصيدة ” الجفاف.. لغة البئر، أيضا ” للشاعر العدني الكبير/عبدالرحمن فخري

سما نيوز /آداب وثقافة /خاص
د. شهاب القاضي
ناقد وأديب جنوبي

عبدالرحمن فخري ، شاعر عدني كبير غني عن التعريف، كثيرون يعدونه الأكثر حداثة من جيل رواد الشعر الحديث . وهناك من يقول عنه أنه شاعر سريالي، آخرون يطلقون عليه شاعر مستقبلي او مايكوفسكي عدن . لكنه هو الوحيد الذي يقول: أن شعري يند عن التحديد ولكن بالإجمال أنني شاعر واقعي وتجدنا نقول معه : إن شعره يند حقاً عن التحديد السكولائي ( المدرسي ) الضيق ففي ذلك إفقارا لتجربته الشعرية ونضوبا يحد من تنوعها .

وتبقى قصائده عوالم بحاجة إلى كشف متجدد لإظهار الفيض اللامتناهي للفن والإبداع في شعره .. وكذلك لإظهار العمق الجليل الذي يستبطنه في الصور والمعاني والإحالات … دون الوقوف المطول أمام تجربة عبد الرحمن فخري الشعرية ، تقودني عنوة قصيدة له بعنوان (( الجفاف .. لغة البئر … أيضاً )) لكي أتمكن ولو من فتح كوة صغيرة لأطل منها على عالم فخري الواسع مأخوذاً بسحر اللغة ، مأسوراً بجمال الفن ، متأملا عمق الفكرة .

-أ –

 

القصيدة هي من قصائده المدورة ، زمن الكتابة ممهور قرب توقيع الشاعر 1978 .. تبدأ القصيدة بأن تأخذنا بغتة إلى فضائها الحزين .. إلى حزن لا ينتهي كلما انهمرت الذاكرة بتداعياتها عن حياة كانت لنا … ربما كانت رملية المهد ، صحراء ولكنها زرعت فينا خصال الفروسية التي نحب فبدت في كنف الزمان المستعاد وكأنها حياة نفتقدها حياة لم تعد لنا ..

لم نعد نعرف بعد ، عن تلك الرمال والرياح العصية شيئاً .. غير ما تقوله ريشه عبد الرحمن فخري .. نحن بقايا توتر … بين زمن قبل ـ وزمن بعد … وتلك الرمال التي علمتنا ـ وما علمتنا بعدت عنا فغشونا زمن المفارقة والهجران

وعندما نعود لحظياً مع الشاعر ، تحملنا روح القصيدة لنكون في رحاب طقوس قديمة تنفتح على ذاكرة معطلة .. يستعين الشاعر ( بسوافي الرياح ) لأثارتها ووضعها أمام متغير قديم ـ جديد يقوم بتكسير تلكساتها ، يحرك فيها ما قد ران عليها من صمت القرون ، يزرع فيها بذرة الحركة الأولى ؛ الرمال التي علمتنا ، فإن نتعلم معناه في وجوه أخرى أن نتذكر . وكل معرفة هي ذاكرة مضافة تتداخل/ تتجاور فيها الأشياء حتى لكأنها وجود ملتبس ، تضيع فيها الحدود فيما هي تظهر بوضوح ، وليس لنا في حالات إلا أن نجترح النسيان فيما في حالات أخرى نكون في ذروة الوعي والتركيز .

القصيدة محاولة جريئة لآنسنه الرمال من جانب ، ومحاولة جريئة لموضعتها من جانب آخر فلم تعد الرمال إحالة مباشرة لمعاني الجدب والشح والجفاف .. بل أنها وجود إشكالي ، بؤرة إحالات ، فهي التي ( لفعتنا سوافي الرياح ) وهي التي( تشد من الأفق حبلاً ليرقى عليه خيال وطيف ) إن الرمال هنا لم تعد مهداً فحسب ، ولكنها وجود فاعل فهي التي ( علمتنا ) حتى لكأننا بإزائها وجود سالب لا يقوى على الفعل، ولكنه قادر على التأثر بما يحيط به ، فإما نسابق ( الرياح أو ننيخ الركاب ) في وحدة وجودية لا تفعل ولكن تنتظر ولا تقول ولكنها تقًَول … وهي إشارة بارعة من الشاعر جعلت منا كائنات رملية ، يشكل الرمل حياتنا ، يحميها يزرع فيها بذرة الخيال والجموح الذاتي ، فمن لم يكن رملياً تذريه الرمال .. أنها معادلة للبقاء .. أما أن تكون فارساً رملياً أو انك لا تقوى غير أن تكون ذرات غبار ليس غير …

هكذا يتحول الجفاف إلى اخضرار .. ويتحول الموت إلى حياة وتغدو الرمال والقساوة تحدياً للبقاء ، للحياة لمن هو أفضل .. لمن يكون فارساً في أرض هي له، طالع هو فيها فلا يشعر معها بالغربة أو يحس بالمفارقة .. فالجفاف هنا يستحيل إلى بئر غزيرة بالماء ؛ إذ أنه أحياناً تكون البئر الطافحة بالماء جافة قاسية لما يصعب عليها خلق قيم الفروسية ( الجفاف لغة البئر أيضاً ) .. وعلى هذا النحو نكون داخل المعادلة الصعبة فرائس لتحديدات قسرية لا نملك خياراً تجاهها سوى أن تكون وقع خطانا واسعة نحو مستقبل فروسي ، سعة الخطى الرملية على جناح الريح ..

القصيدة تحاول أن تعيد بناء الأشياء أو هي تحاول أن تستعيد القدرة على كسر الرتابة في الحياة وفي الروح … في خلق وجود لا يتحقق أنطولوجيا إلا على حد المغامرة وكأن برهة الوجود الخاص ـ الوجود لذاته ـ برهة متعينة فقط أمام اختبار الموت ..

وفي ذلك تنهمر الأسئلة ، ولكن دون انتظار إجابات قاطعة بل أفعال قاطعة تتلاشى روح ( هاملت ) وتبرز بتحد روح ( عنترة بن شداد ) .. وعلى هذا المستوى يتكامل ميراث للقيم صارم في تحديداته ولا تظهر الأشياء في علاقاتها بالإنسان إلا على شاكلة أو صيغة ( إما ـ أو ) لكأنها تتمظهر في ثنائيات صارمة دونما توسط فتبدو الحياة في قساوتها أكثر منالاً ، ويبدو الإنسان في وحدته أكثر عنفواناً وقوة . ولهذا يتنامى النفس الآسيان المفعم بالأسى والحزن عند الشاعر .. إزاء زمن حاضر عاجز تستبطنه القصيدة فيما هو يحتجب عنا في مباشريته ولا يظهر إلا كمفارقة حزينة … مع ذلك لا نقع على الإطلاق تحت أسار إحساس ماضوي .. إن ما تبعثه فينا القصيدة هو إحساس التجاوز والاختراق .. لم نعد نملك أخلاق الفروسية ، لا تجري فينا روح المغامرة بل غدونا كائنات مكتفية بذاتها عاجزة منهارة في حاضر منهزم ذليل .. ولكن لا بد أن يكون لنا مستقبل يليق بنا، بعضاً منه ما يكمن فينا من حرارة الروح والوجدان .. والبعض الآخر ( ما يجري على الناس نهراً ـ وبحراً ، وفجراً يندف فوق الطواحين ملحاً وفلاً وقطناً) على أساس من اليقين أننا وأن كنا نعيش بؤس حاضرنا فمازال المستقبل مفتوحاً على إمكانيات واحتمالات لا تحد .

 

إن الشاعر عبدالرحمن فخري إذ يخلق هذه الرؤيا على جسد القصيدة إنما هو يشرع نافذة باتجاه أفق متحول . لم تعد الرمال أو قساوة الحياة أو ( الموت رقصاً بسيف المنايا ) هي ملك لزمن لا يعود .. بل إن ذلك الزمان كان مشروطاً بالوجود اليقيني للإنسان .. الذي كان يعيش حياته متفاعلاً حيوياً بروح إيجابية خلاقة ( وهو الذي علمته / وما علمته الرمال ) ولكن الإشكالية التي تحاصرنا اليوم ، إن الإنسان الذي كان فيما مضى ، ما زال هو هو الإنسان الذي يكونه اليوم ولكن بعد تعديل تاريخي جعله مجرد شكلا للهباء مثل رجال من قش (ت.س اليوت ) وما يعول عليه الشاعر هو تلك القدرة السحرية التي تمتلكها روح الإنسان حتى وإن كانت روح خربة !!.

إن ما يتكئ عليه الشاعر ، إنما هو الأمل في تنشيط الذاكرة الجمعية كمحاولة لإعادة التذكر .. وهي محاولة تبدو صعبة وشاقة لكنها ليست مستحيلة طالما ذاكرة الشعب على حد تعبير( هيجل) قادرة على الإحاطة وقادرة على التمييز ..فقط كيف تنتقل من مستوى البكاء على ما فات إلى مستوى السيطرة والتحكم والتغيير.

  • ب –

 

فضاء البنية في القصيدة مفتوح على بنية علاقات متواترة متداخلة في وحدة تناقض بين الذاكرة / التوقع ، الماضي / المستقبل بين ما تعلمناه/ ما لم نتعلمه .. وكل صورة فنية في القصيدة كانت تنبئ عن هذا التداخل / الانتقال مما أشاع فيها الحركة والفاعلية ..

والحركة في القصيدة تنبع من حقل هذه الإشكالية : الماضي / ما تعلمناه ، المستقبل / ما لم نتعلمه … وهذا التباين يفتح على صعيد الرؤيا الشعرية أكثر من احتمال وأكثر من إحالة فما تحاول أن ترسمه القصيدة ( ليس خرط القتاد ورقماً على الماء والعيس عطشى ) ولكن( من النار ورداً يكون : تمراً وقمحاً وملحاً سيشعل كل السواعد ). وبهذا تكون الذاكرة مجرد إحاطة بكل ما يؤشر إلى واقع كان لنا فيما مضى ولم تعد الذاكرة فاعله بل هي ذاكرة معطلة وعاجزة أن جاز القول.

هنا نكون في أسار ما علمتنا إياه الرمال / وما لم تعلمنا إياه وبين الإثبات والنفي تنتقل الحركة في القصيدة في وحدة ضدية من المستوى الأفقي للمعرفة التي تقع جميع نقاطه على صعيد واحد .. إلى المستوى العمودي للمعرفة الذي يضمن اختلاف المحمول المعرفي في( بروفيل ) يطل على عالم يأتي باحتمالات تضمر شتى المتغيرات التي يعد بها المستقبل أو المجهول

أن الشاعر يرفض كل معرفة قبْلية ولكن ليس بمقدوره أن يكون جذرياً فيما يرفضه .. إنما هو يعترف بهذه المعرفة ، ينظر إليها باعتبارها ذاكرة مقّعدة .. محبطة أنها تكمن في ثنايا تفكيره أو أنها تعيش لحظة بيات … لكنها ليست بعيدة عنه حتى وأن تصور ذلك … فقط … ما يحاول أن ينهض به الآن : مستقبل جديد أي معرفة جديدة بحجم ما سيأتي وكل معرفة ضدية تضمر إشكالية ما ، أو هي على نحو أكثر دقة ذات مضمون إشكالي يختزل التعقيد الحاصل في كل معرفة بما هي بنية علاقات متداخلة / متآزرة / متناقضة / متجاوزة …

وهذا ما يحاول أن يرسمه الشاعر في لوحة بيانية جميلة اجتزأت ثلاثة أرباع النص / القصيدة ( المقطع الثاني ) لكي يقول معرفة جديدة لم يتعلمها بعد ..كما لم ينس أن يختتم القصيدة بمقطع ثالث لتبدأ القصيدة دورة جديدة تعيد تكوين النص في وحدة استمرارية وكأنها تعطي للنص وجودة السرمدي ( كما علمتنا وصايا الرمال وما علمتنا ) هكذا ينتهي النص بأن تكون الذاكرة المعرفة القْبلية صنواً للتوقع ـ المعرفة الجديدة .. وفي ظل تمايز معرفي نسبي لكل منهما تفصح تلك الجدلية الشائكة بين ما نكون عليه وما ينبغي علينا أن نكونه . وتغدو القصيدة ليست إلا إعادة بناء فني آخر تحكمه رؤيا شعرية مغايرة تخلق عالماً جديداً ، بأن تبدأ بتفجير اللحظة الشعرية بمعرفة تجب ما قبلها وتقيم مما سيأتي ( يوماً بنبع غزير المواعيد يذرو الرمال شمالاً ) و( إن الرياح تهب جنوباً لتعزق حقلاً رماه الجفاف ) … لم يعد فضاء النص إذن غير بؤرة ثنائيات تفيض إلى الخارج .. تكتسب المعرفة بعداً مكانياً، يدخل النص جغرافية المكان وتتمظهر انطولوجيا” على نحو تحديدات مكانية شمال ، جنوب بعد أن تمظهرت على جسد النص على نحو تحديدات معرفية .. وكلا الحالتين انما هي يقين ملتبس يظهر أحياناً ، وأحياناً يغيب ويحتجب وليس هنالك غير وحدة النص والاستمرارية وكأنها وجود مطلق يستمد مشروعيته وبقاؤه من طبيعة الحركة المكانية في النص .. ومن طبيعة ديمومتها .. باعتبار أن حركة النص ، متعدية تنتقل من معرفة إلى معرفة ومن مكان إلى آخر دون أن تفترض على الإطلاق أن هناك حركة معاكسة ، فاتجاه الحركة يبدأ من المقطع الأول ( علمتنا ) وكل حركة تخلف الماضي باتجاه المستقبل هي حركة موضوعية لها طابع الديمومة منحازة على نحو قطعي إلى مستقبل أكثر رحابة وإلى القيم الأكثر إنسانية .

النص إذن .. وجود زماني محدود بما تؤطره التحديدات الزمنية على أساس من مضمون غني من قيم متحولة على نحو تتجاوز كل ما يعيق أو يمنع .. هكذا لم يعد الزمان فقط هو الحاضر أو هو الماضي باعتباره الحاضر المتراجع (سارتر ) كما لم يعد الزمان هو المستقبل فحسب بل كل التعيينات الزمنية التي تمنح الإنسان في حياته إنسانيته الصافية بكل حالاتها .

إن الشاعر أسير زمنيته الخاصة .. وهي تظهر في النص بمظهر انتقائي خاص أي ذاتي تحجب عنا الحاضر فيما هو يرفض الماضي ويشرع روحة نحو مستقبل لا يقارن ، معلنا أن مستقبل الإنسان هو كل ما سيأتي مغيراً لكل ما هو سائد مرفوض .. وذلك بإحساس من يؤمن بأن الأبدية تحمل نقيضها نحو الارتقاء الصاعد دوماً ، نحو جديد يأتي يحمل لحظة إلغائه بجديد آخر ( الفكرة ـ نقيضها ـ الفكرة المركبة ) هيجل .

وليست مصادفة على نحو آخر أن يشار في النص إلى أسطورة عشتار وأوزوريس وأساطير التكوين والخلاص إذ إن للشاعر مفهومه الخاص للزمن عبر إقامة مجموعة إحالات تنطلق من جسد الأسطورة … فأسطورة عشتار تتضمن معاني تحولات الطبيعة والمجتمع التي تؤكد أبدية الزمان .. وموضوعية تحولاته ، والتي تؤكد أيضاً أيمان الشاعر العميق بالآتي وبقدومه اليقيني .

القصيدة تتضمن ثلاث تضمينات أوإشارات للأسطورة تمنح النص عمق رؤيوي يجعل الشاعر قادرا على الإحاطة بعرض مفهومه عن الزمن … فالأساطير الثلاثة تتضمن معاني :التكوين –البعث- الخلاص وكأن الزمن مدار مفتوح غير مغلق يبدأ وينطلق نحو المستقبل في دورة لاتنتهي …كما يتضمن هذا الأفق الرحب ، مدارات مغلقة تتكرر على نحو جزئي محدود ولكنها تكرارات ليست هي إعادة رتيبة ، لأتحمل جديدا ولكنها دورات زمنية تنفتح دائما على انتقالات متميزة ونوعية على مسار الاتجاه العام للزمن والذي يتضمن قيم الوعد والبشارة والخلاص في آخر الزمان

النص يراهن على الزمن ، وأي مراهنة على الزمن يعني في التحليل الأخير مراهنة على المستقبل .. ولذلك فإن ما تتضمنه القصيدة من إشارات أسطورية وبما تزخر به من طابع رمزي ، لا يمكن النظر إليها إلا في علاقاتها داخل النص بما تحمله من إحالات وبما تشع به رؤيا .. وهي رؤيا محورية لا تنفي زمنية النص بإسقاطه في جمود مفترض ولكن تجعله أسيراً لمفهوم قبْلي ميتافيزيقي عن الزمن ـ التكوين ـ البعث ـ الخلاص على هيئة علاقة خطية متتالية لا انقطاع فيها تمنح الشاعر القدرة على أن يقول البشارة . إذ بدون أن يستبطن الشاعر تلك الرؤيا نحو الزمن فإنه لا محالة عاجز عن أن يقول البشارة بخلاص جديد .. أنه الإيمان الحقيقي بموضوعية التحول والتغيير، الإيمان الحقيقي بالمستقبل بكل ما يحمل من أبعاد ودلالات .

-ج –

 

القصيدة تحاول أن تخلق عالماً جديداً .. ولكن ليس باللغة المعطاة وليس بالميراث اللغوي والمعرفي السابق … إنما بإجتراح لغة جديدة ومعرفة جديدة .

لذا نرى الشاعر ، وكأنه في قمة تمرده على قاموس لغوي موروث ( خرط القتاد ، العيس عطشا ) .. جاعلاً إياه رمزاً لبنية معرفية سابقة وما علينا اليوم سوى أن نرمي عنا ردائها … وذلك بخلق لغة جديدة تكون قادرة على استيعاب وترجمة عالمنا الجديد المقبل . ولو تأملنا النص ـ كبنية ـ سنجده تمرداً آخر على النمط القديم في كتابه الشعر ، وهي محاولة أخرى للخروج عن عمود الشعر باتجاه خلق الجديد المغاير

.

القصيدة لم تستنفذ بعد … وهي بحاجة إلى قراءة نقدية أكثر عمقاً وإحاطة ، فهناك الكثير من الجوانب الفنية والمضمونية بحاجة إلى تناول عميق في حقل الاستبصار النقدي … وأتمنى أنني تمكنت من كشف بعض جوانبها الفنية المفعمة بالدلالات والأبعاد … وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك

.

 

ملحوظة :

نشرت قصيدة (الجفاف لغة البئر أيضا ) في صحيفة الثوري 7 ابريل 1984م

 

الجفاف لغة البئر أيضا

 

سيبحث أيضاً الهدهد الرسول إلى الأرض عن الكتف الأميرية التي سيستقر عليها

سان جان بيرس

من قصيدة جفاف

 

 

الرمال التي لفعتنا سوافي الرياح ، وأقنعة من خيوط السراب ، وكم وسدتنا العظام ، الصخور ، النبات المرير بوادي النهار ، هي ذات الرمال التي علمتنا الفراغ المسجى على ظهر كف ، تهش الظلال عن الشمس حينا وحينا تشد من الأفق حبلاً ، ليرقى عليه خيال وطيف …

وكم علمتنا نعابث نخل المساء الحزين ، نخاصر حلما بعرس الخطايا ، ونلهو مع الموت سيفاً بسيف .

وكم علمتنا نسابق ريح الفوارس يوماً ، ويوماً ننيخ الركاب على رسم دار ، لتبكي الدموع التي ما بكتنا .

وما علمتنا :

بأن الرياح تهب جنوباً لتعزق حقلاً ، رماه الجفاف بعنة رب فقمنا لنعجن طيناً وملحاً ، ونستل روحاً لرب جديد من الصخر يكوي جراح التراب(1) ، ويزرع وعدا ً لكل الفراش بأن من النار ورداً يكون وتمراً وقمحاً وملحاً سيشعل كل السواعد ..

وأن السراب كحلم العذارى بليلة صيف ، ولكنه وهم من قد يسافر بين الصخور ، ينتظر جريحا يعود .. ولكن بوشم كنجم الشمال

وان الصخور ، النبات ، الطيور ، القرود ، الملائكة الأبعدين ، لهم سرة من خلايا الطحالب ، وجه لهم من شظايا الكهوف.(2)

وان الفراغ.. عزاء جميل ، ولكنه ليس خرط القتاد ، ورقما على الماء والعيس عطشى ، وليس نقوشاً بقرن الشفق .

وأن الخطايا جناح العبور إلى مخدع الشمس ، كانت لآدم ، صارت عليه ، ثم صارت له من طقوس الخلاص( 3 ).

وان الذين يموتون رقصاً بسيف المنايا يموتون عشقاً وشعراً وفتحاً ، ينامون في الليل مثل المرايا ، ليكحل برق جفون النهار .

وإن الدموع التي تنزف ، دماً وبصاقا ، تعري التماسيح منا ، وتغري الطيور على القلب ، يوماً ، بنبع غزير المواعيد يذرو الرمال شمالاً ، ويجري على الناس نهراً ، وبحراً ، وفجراً … ينذف فوق الطواحين ملحاً وفلا وقطنا … كما علمتنا وصايا الرمال ..

وماعلمتنا ….

1978م

إشارات :

نسبة إلى دفن تماثيل تموز في سوريا وأوزيريس في مصر لتخصب الأرض .. أيماناً ببعث هاتين الآلهتين مع مواسم الحصاد ـ أسطورة عشتار وأوزيريس .

إشارة إلى شجرة فورفوريسوس التي تقول بأن للكائنات سلماً يبدأ بالصخر فالنبات فالحيوان فالإنسان فالملائكة أو الآلهة عند اليونان .

في المسيحية يقال أن الرب ـ الابن ـ عيسى ـ قد نزل إلى الأرض يفتدي خطايا الناس ، وكأن العذاب الذي تعرض له على يدنا حتى نزف دما على الصليب طريقاً للخلاص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *