2019/03/21 - 7:23م
أخبار عاجلة
الرئيسية / آداب و ثقافة / ليلة رأس السنة في نيويورك

ليلة رأس السنة في نيويورك

مديحة عبد الله عوبل

تغمز لي حبات الثلج المتساقطة من خلف النافذة تحاول إغوائي للعب معها تحت قبة السماء الفضية وليليان الاخرى تشغلني عن ترتيب ملابسي في خزانتي الصغيرة تتكلم سريعاً والحماس يغرق عينيها وتخرج لي من خزانتها ملابسها الشتوية التي تبدو أنها باهظة الثمن ، الأمر لا يهمني جئت فقط لأدرس وهذه أولى ليالي نيويورك يجب أن أظل بغرفتي أرتب جدولي وأخرج دفتري وقلمي مجدولة حساباتي على قدر ما أملك من المال ، مدينتي الصغيرة بعدن لا تعرف الشتاء اطلاقاً ولا تهمني الطقوس المسيحية والاحتفالات التي اعتادت عليها صديقتي اللبنانية ليليان بكلماتها السريعة وأمنيتها الصغيرة التي تريد تعليقها على تلك الشجرة ، أقنعتني بالخروج معها لنزهة قصيرة في شوارع نيويورك، لبستُ “بالطو” جلدياً أسود اللون ووشاحاً صوفياً أبيضاً أهدتني إياه ليليان ووضعت على راسي حجاباً قطنياً أحمراً كانت أمي تحب أن تراه عليّ ، أمي .. كيف أجرؤ على خطوة كهذه دون أن آخذ الإذن منها ، كان علي أن أبدأ حساباتي بثمن تلك المكالمة، ببداهتها وكرمها تفاجئني دائماً  أعطتني هاتفها وبعد محاولات من فتاتين أحدهما اعتادت أن لا يمنعها أحد من ممارسة طقوسها والأخرى القادمة ،  من البعيد تمتلك شهية كبيرة لاقتحام هذا العالم الجديد عليها ، اقتنعت بمشوار قدره ساعة ونصف فقط ، منظر الثلج يدهشني وأنا التي لم تراه إلا من خلال شاشة التلفاز، أضواء المدينة المتلألئة تضيء السماء حين قررت جبال الغيم أن تأسر ضوء القمر بتلك الليالي .

الطريق إلى منهاتن مزدحم وكذلك شارع ” برودواي ” حيث كان يقام عرض مسرحي ، أفواج كثيرة من الناس يرقصون ويغنون وبأيديهم الشامبانيا ،قطعة القماش الملفوفة على رأسي والتي يختبئ تحتها شعري ، استفزت نظرات الكثير منهم لتأخذني ليليان إلى ” سنترال بارك ” حيث أخذت هي شريطاً أحمراً ثم ضمت يديها لتهمس أمنية بقلبها ، في  تلك اللحظة نظرت إلى السماء وحمدت ربي .

  • لكي أدعوك يا رب لا أحتاج إلى أجراس أو أشرطة حمراء أعلقها بشجرة ، فقط يقين قوي باستجابة دعواتي بمجرد أن أقول يا رب .

منظر الثلج المتساقط على شجرة مضيئة ، رغم بهجة ألوانها فإن الشتاء دائماً

حزين ، حزين جداً يستفز الذكريات والحنين ، “ميد تاون” للحظة شعرت فيها وكأنني داخل فيلم سينمائي لكن هذه المرة داخل الشاشة لا خلفها ، تمنيت في تلك اللحظة لو أن لي ألف عين وذاكرة لانهاية لها ، الشوارع المليئة بسيارات الأجرة صفراء اللون وبائعي بسكويت “البري تزل” وناطحات السحاب شاهقة الارتفاع وعلى الجانب الغربي من شارع “سيكس أفنيو” توجد لوحات الإعلانات المضاءة بالنيون في ميدان “تايمز سكوير”، والمسارح المنتشرة في شارع “برودواي” على الجانب الشرقي ، تحيط بدار الموسيقى “راديو سيتي” وكاتدرائية “سانت باترك”

للبث الإذاعي والتلفزيوني بمركز ” ديكو روكفلير” الذي يحتوي على مقر

شبكة “إن بي سي ” ومنصة مشاهدة المناظر الطبيعية والمعالم السياحية من ارتفاع 70 طابقاً ، وعلى طول شارع ” سيكس أفنيو “، تمتد أعداد المتسوقين الخارجين من المتاجر الفخمة مثل “ساكس فيفث أفنيو” و “بيرجدفورد جودمان” والداخلين إليها لاستعراض أصناف لا حصر لها من الملابس والحُلي ، وعلى بُعد مجموعة قليلة من المنازل والمتاجر، توجد محطة “جراند سنترال” الرائعة ومبنى“إمباير ستيت” بقمته الساطعة.

التقطنا بعض الصور وسرقنا ثلاث ساعات بدل ساعة ونصف المسموح بها من قبل أمي ، لم تكن تلك مجرد ساعات بل ثلاث أرباع عمري تحت قبه السماء الفضية وزرقة الأفق وانكسار الألوان في كبد سواد تلك الليلة الاستثنائية والغير معهودة بأبجدية عمري .

  • من المجموعة الأدبية “أثواب الشمس الثلاثة” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *