أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / حين يصبح الصياد فريسة

حين يصبح الصياد فريسة

كتب/
د. علي ناصر اليافعي
اختصاصي الاحياء الدقيقة الجزيئية والتشخيصية بمعهد البحوث الطبية –جامعة الاسكندرية

في ظل التفشي المتزايد للفيروس التاجي (كورونا) Coronavirus المستجد كوفيد 19 COVID حول العالم, فلقد ادرك العالم اليوم القيمة الحقيقية للجيش الابيض من اطباء وممرضون واولئك المتخصصون في الطب المخبري والمسعفون وهم يخوضون اشرس المعارك ضد هذا الكابوس المرعب الذي جثم على صدور البشرية في العالم اجمع وهم في الخطوط الامامية ووجها لوجه من ذلك الفيروس المعدي, فهاهم اليوم يسطرون اروع البطولات ويخاطرون بحياتهم من اجل انقاذ المرضى المصابون بفيروس كورونا, سواء اكانت تلك المواجهة مباشرة مع المريض نفسه او مع افرازاته في المعامل والتي قد تحوي ذلك الفيروس, وذلك في ظل غياب لدور الكثير من المشاهير ونجوم العالم ورجال الدين, لطالما كثر الحديث عنهم خلال الايام ما قبل كورونا.

وانني لأحزن كثيرا عندما اسمع عن اصابات جديده بفيروس كورونا المستجد في مختلف بلدان العالم ويزداد حزني اكثر عندما يكون افراد الكادر الطبي هم الضحايا, فالخسارة ستكون مضاعفه من حيث اعاقتهم من اداء عملهم او بوفاتهم. فخسارة الطبيب او الممرض سينتج عنه خساره للمرضى ايضا, فمهما توفرت لدينا من امكانات ومعدات فبدون الكادر الصحي تصبح لا شيء.

ان هذا المرض من الصعب التنبؤ به ومعرفة فيما اذا كان الشخص مصاب بالفيروس ام سليم فبالرغم من ان هناك ايضا فيروسات اخرى قد لا تظهر اعراضها على الشخص المصاب او الحامل للفيروس ومثال على ذلك بعض فيروسات التهاب الكبد Hepatitis viruses وفيروس العوز المناعي البشري Human immunodeficiency virus الذي يسبب مرض الايدز AIDS ولكن الاختلاف يكون في شراسة المرض وفترة ظهور الاعراض وطرق الانتقال حيث ان هذه الانواع من الفيروسات ممكن ان تنتقل عن طريق نقل الدم الغير سليم او التعرض لسوائل وافرازات المصاب او عن طريق الجنس, كما ان العلاج لبعضها قد يكون متوفرا.

ان احد اسباب اصابة الكوادر الطبية والصحية بالفيروس قد يعود الى ان معظمهم لم يسبق له التعامل مع هكذا مرض وخصوصا في بلداننا العربية فكل ما تعودوا عليه في اصعب الامور هو التعامل مع مريض قد يحتاج الى عملية جراحية في غرفة العمليات بحيث يلبس الطبيب كمام وقفازات كي تحميه وتحمي المريض والتي قد يتخلص منها بعد سويعات من اجراءه لتلك العملية, ولم يتعودوا على كل هذا الجهد والتعب والعناء لساعات طوال وايام يبذلونها في التعامل مع المرضى المصابون بفيروس كورونا.

ان المسؤولية في مواجهة جائحة كورونا تقع على الجميع صغيرا وكبيرا, فكلا بحسب اختصاصه ولا يقتصر ذلك الدور على اسداء النصائح فيجب ايضا اتخاذ الاجراءات الصارمة والرادعة والتي من شأنها ان تقلل من انتشار الفيروس والزام الناس في التقيد بقرار الحجر الصحي, فحتى ذلك الشخص الذي يلتزم بالبقاء في منزله اثناء الحظر قد يساهم بشكل كبير في منع تفشي المرض في المجتمع وقد لاحظنا ما تقوم به السلطات في بعض الدول من استخدام العصي والضرب المبرح لأولئك الذين يحاولون كسر الحظر..

يتوجب على أي عامل في المجال الصحي في المناطق الموبوءة ان يتعامل مع أي مريض في المستشفى او العيادة على انه مصاب بالفيروس وذلك من خلال ارتدائه للملابس الواقية والكمامات حتي يقي نفسه فهو الركيزة الاساسية في المعالجة, ولن يكون هناك جدوى حين يصبح الطبيب المعالج مريضا وفريسة لذلك الفيروس والذي كان يتوقع منه ان يصطاد ذلك الفيروس ويخلص المرضى من شروره (حين يصبح الصياد فريسة), فعند اصابة الطبيب او الشخص المعالج بالعدوى بشكل عارض فانه سيضاعف الاعباء على بقية الطاقم الطبي وسيستنزف الكثير من الجهد والطاقة والوقت حيث كان يفترض ان تستغل لمعالجة اولئك المرضى المصابون بفيروس كورونا والذين انتقل اليهم من المجتمع وخصوصا في ظل النقص في الكادر مع ازدياد الحالات الجديدة كل يوم.

والمسؤولية الاكبر تقع على عاتق المسؤولون في وزارة الصحة في البلدان العربية وذلك من خلال عقد دورات تدريبية حتى يتمكن العاملين الصحيين من حماية انفسهم وتثقيفهم في كيفية الوقاية داخل وخارج المؤسسات الصحية، وكيفية التعامل مع المرضى والمشتبه إصابتهم بالفيروس.

لقد بتنا نسمع عن دول عظمى تجاوز عدد الاصابات فيها العشرات الالاف ومئات الالاف, ونحن في البلدان العربية نحمد الله تعالى على ان الاعداد ليست بالكثيرة ولكن في المقابل يجب ان لا نستخف بالمرض وان لا نقارن انفسنا بتلك الدول فهي عندها المقدرة على التعامل مع المرض والسيطرة عليه كما انه بمقدورها تحويل جميع الشركات المتخصصة وغير المتخصصة في المجالات الطبية لتوفير المعدات الطبية الضرورية لمعالجة المرض والوقاية منه ومنها: اجهزة التنفس الاصطناعية والكمامات والعقاقير التي ستخفف مضاعفات المرض وغيرها.

كما ان لديهم مراكز ابحاث متطورة تعمل ليل نهار في محاولة لإيجاد العلاج او اللقاح لذلك الفيروس, بالإضافة الى الوعي لدى شعوبها واحترامهم للقوانين والتزامهم بها, بينما الرعاية الصحية في الكثير من البلدان العربية في ذيل الترتيب العالمي, بالإضافة الى الضعف في كل شيء فهناك ضعف في اجهزة التشخيص الحديثة وضعف في المهارات لدى الكوادر الطبية وضعف في الامكانات.. وعدم الوعي والدراية الكافية لدى الناس بخطورة المرض.. ونسال الله تعالى ان يجنبنا واهلنا واوطننا كل وباء وبلاء … اللهم امين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *