2018/09/25 - 3:41م
أخبار عاجلة
الرئيسية / قضايا عامة / الدولة الوطنية الجنوبية  .. دراسة لـ الدكتور . شهاب القاضي ، باحث وناقد جنوبي

الدولة الوطنية الجنوبية  .. دراسة لـ الدكتور . شهاب القاضي ، باحث وناقد جنوبي

 

هذا الوطن الصغير نحن لم نبحث عنه.. عن هذا الوطن في حلم أسطوري وخيال بعيد، ولا في صفحة جميلة من كتاب قديم. نحن لم نصنع هذا الوطن كما تصنع المؤسسات والمنشآت. هو الذي صنعنا. هو أبونا وأمنا. ونحن لم نقف أمام الاختيار. لم نشتر هذا الوطن في حانوت أو وكالة. ونحن لا نتباهى. ولم يقنعنا أحد بحبه. لقد وجدنا أنفسنا نبضاً في دمه ولحمه ونخاعاً في عظمه. وهو، لهذا، لنا ونحن له.”

                                  الشاعر الكبير محمود درويش

                                  من كتاب شيء عن الوطن

تتحدد الوطنية الجنوبية انطلاقا من مفهوم الوطن الجنوبي الذي برز من خلال التحولات التاريخية الملموسة للتكوين السياسي الجنوبي في هذه البقعة من العالم والذي سماه القومندان بالبلاد المشرقية من عدن إلى أعالي حضرموت، حيث قال 🙁 ان البلاد المشرقية من باب المندب إلى أعالي حضرموت ملت من الفوضى وظلم العمال فتشوقت لاستقلالها القديم واستعانت بالرحمان الرحيم) (1)

كان ذلك عندما كان الجنوب تحت سيطرة حكم الائمة وبالذات في عهد المتوكل بالله اسماعيل، وكانت سيطرة الائمة تتم باستخدام الولاة او العمال الذين يحكمون باسم الامام. وعقب وفاة الامام المتوكل بالله اسماعيل وفي عهد الامام المؤيد محمد بن اسماعيل بن القاسم في عام 1682 وما تلته من سنوات، بدأت الاوضاع في التململ والخروج عن سيطرة الائمة. يقول حمزة لقمان (في عهد هذا الامام، ازدادت الفوضى انتشارا في اليمن وفي المشرق، والمشرق هو عدن والسلطنات والامارات الواقعة في جنوب اليمن ويطلق عليها اليوم جنوب الجزيرة العربية) (2)

وقد تعدد خروج المشيخات والامارات والسلطنات الجنوبية ، من ربقة سلطة الائمة في صنعاء وكان اخرها في عام 1728 وقد اورد الشاعر احمد فضل بن علي محسن العبدلي( القومندان) ما قاله القبطان بليفر معاون والي عدن في كتابه تاريخ بلاد العرب الذي كتبه عام 1859 الموافق سنة 1276هجرية ( خلع شيخ قبيلة العبادل المسمى ” فضل بن علي بن فضل بن صالح بن سالم ” طاعة إمام صنعاء حسين بن قاسم المنصور ، عام 1728الموافق 1141 هجرية ،واعلن بانه امير مستقل بعد محالفة جاره القوي سلطان يافع على أن يستملك فضل ابن علي بندر عدن الحصين ،وان يتداولان خراج البندر بالمساوية ، وتم لهما الفوز عام 1735 الموافق 1148 هجرية وقال ، بعد ستة اشهر نقض العبدلي محالفة رفيقه سلطان يافع ودعا نفسه سلطانا مستقلا” (3) .في  هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الجنوب نشأ بناء سياسي منسجم ومتجانس تقريبا من المشيخات والامارات والسلطنات على مستوى الجنوب كله ،الامر الذي لم يكن موجودا على هذه الشاكلة السياسية في اليمن الاعلى او اليمن الاوسط او اليمن الاسفل او الديار اليمنية بحسب تعبير  محمد بن اسماعيل الكبسي في كتابه اللطائف السنية  ، وهي التسمية التي كان يطلقها عليها ويطلق على ما عداها من مناطق الجنوب اسم الشرق (4) ظل الحال كما هو عليه الى ان قامت بريطانيا بإحتلال عدن في 19 يناير 1839 ميلادية .

المراحل الاولى لتأسيس الكيان السياسي الجنوبي الموحد 1839- 1967:

تعرضت عدن للاحتلال البريطاني في عام1839 وكانت عدن تحت سيطرة السلطنة العبدلية ، وقد تمكن الاستعمار من اقامة الصلات بحذر  مع ما كان يسميها المناطق الداخلية في بادئ الامر يقول ر .ج .جافن ( كان هينس على تماس مع الزعماء في المناطق الداخلية والذبن كانت اوضاعهم بصورة ما مختلفة عن سلاطين طريق خطوط التجارة ” العبدلي والفضلي والاميري “)  (5)

ساهمت السياسة البريطانية التي كانت تتبعها في عدن ومناطق الجنوب على تعزيز ملامح ومحتوى التاريخ المشترك لعدن والجنوب  السياسي والثقافي ولم يأت عام 1870الا وقد احكمت بريطانيا على المناطق  التي تقع حول عدن والتي سميت فيما بعد بالمحميات الغربية يقول ر . ج. جافن (أيا كانت الحماقات والشكوك التي طبعت مسار العلاقات مع قبائل المناطق الداخلية، في الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر ، فإن قاطرة القوى الاقتصادية كانت تجر جيران عدن الى علاقات وثيقة مع المستعمرة وكانت لحج في عام 1870 قد ارتبطت بصورة لا فكاك منها مع عدن البريطانية واجزاء اخرى من المناطق الداخلية وبصورة خاصة الفضلي كانوا قد ساروا على اثرها . واصبح البريطانيون جزءا مقبولا وحتى اساسيا للنظام السياسي وكان نشاطهم يتمدد ويتكيف الى ما وراء جوار عدن المباشر) (6) اي مناطق حضرموت والمهرة (المحميات الشرقية فيما بعد ) والتي برزت فيها السلطنة القعيطية والكثيرية وسلطنة آل عفرار في قشن وسقطرى .

وقبيل ضم عدن الى وزارة المستعمرات في انجلترا، وتأسيس المكون السياسي للجنوب المسمى بعدن والمحميات الغربية والشرقية، قامت بريطانيا بحلحلة الخلافات مع المملكة المتوكلية اليمنية بعد ان قام الامام بمهاجمة المحميات الحدودية في عام 1920واحتلالها على اعتبار انها جزء من ميراث الدولة العثمانية التي تعود بحكم صلح دعان 1911 الى املاك الامام. وانتهت تلك الجهود الى توقيع معاهدة صلح بين بريطانيا والحكومة اليمنية في 11 فبراير 1934لمدة اربعين عاما وقد خرجت بريطانيا منها منتصرة اذ اكدت المعاهدة في مادتها الاولى اعتراف بريطانيا (باستقلال جلالة ملك اليمن حضرة الامام ومملكته استقلالا كاملا مطلقا في جميع الامور مهما كان نوعها) (7) بهذه المادة يؤكد الطرفان على عدم التدخل في الشئون الداخلية للمملكة وللأرض المسيطرة عليها بريطانيا في عدن والجنوب. وفي المادة الثانية حرص الطرفان على سيادة السلم والامن بينهما اما المادة الثالثة فقد اكدت على تأجيل موضوع الحدود الى ما قبل انتهاء مدة المعاهدة تقول المادة (والى ان تتم المفاوضات المشار اليها ، في الفقرة السالفة الذكر فالفريقان المتعاقدان الساميان يوافقا على بقاء الوضع القائم بالنسبة للحدود كما هي عليه عند تاريخ توقيع هذه المعاهدة ، وان يمنعا بكل ما لديهما من الوسائل اي تعد من قواتهما في الحدود المذكورة، واي تدخل من اتباعهما ، او من جانبهما في شئون الاهالي القاطنين في الجانب الاخر من الحدود المذكورة ) (8 ) بهذه المعاهدة انتهت المخاوف من تهديد نظام الائمة في اليمن واصبحت عدن والجنوب بمنأى عن المخاطر التي كانت تأتيهم من المملكة المتوكلية اليمنية وبالمقابل تكونت وتعززت الروابط السياسية والثقافية في عدن والجنوب وتنامت الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين مكونات الجنوب السياسية وفعالياتهم الاجتماعية وتحقق الاستقرار السياسي بعد انتقال مستعمرة  عدن الى سيطرة وزارة المستعمرات في الحكومة البريطانية وتأسيس مكون عدن والمحميات الغربية والشرقية في عام 1937 ، الامر الذي انعكس على تنمية عدن والجنوب فانتعشت حركة التعليم وازدادت البعثات التعليمية الى الخارج وتطورت الزراعة وبالذات زراعة القطن وشهد الميناء والمطار توسعات مهمة وصدرت اول صحيفة في عدن والجزيرة العربية وهي صحيفة فتاة الجزيرة ثم تلتها غيرها من الصحف والمجلات وبدأت بوادر الحركة الوطنية الجنوبية بالظهور في الملتقيات الثقافية والاندية وشعرت النخبة المثقفة العدنية والجنوبية بمسؤولياتها، وفي اهمية ظهورها الراهن والمستقبلي فتأسس حزب رابطة ابناء الجنوب العربي 1951 وظهرت فيما بعد حركة القوميين العرب وغير ذلك من المنظمات السياسية كحزب الشعب الاشتراكي واتحاد الشعب الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي فرعي العراق وسوريا وتأسس الكيان السياسي الذي وحد مشيخات وامارات وسلطنات الجنوب وانظمت اليه عدن فيما بعد وسمي باتحاد الجنوب العربي 1962 واصبحت المنطقة تعرف بهذا الاسم بدلا من ( عدن والمحميات الغربية والشرقية ) وقد زودته بريطانيا بقوة عسكرية صغيرة من ابناء السلطنات سمي بجيش الاتحاد الذي ساهم مساهمة محدودة في قمع ثورة 14 اكتوبر 1963 التي قادتها كل من الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل وجبهة التحرير لتحرير جنوب اليمن المحتل وكان نشاطهما السياسي و العسكري والفدائي يمتد الى الجنوب كله .وخاضتا مع بعضهما البعض حربين اهليين كانت الحرب الاخيرة في 5 نوفمبر 1967 وقد حسمت لصالح الجبهة القومية. وبعدها بأيام قلائل قررت بريطانيا منح الاستقلال للجبهة القومية وتأسيس جمهورية مستقلة سميت باسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

الدولة الوطنية الجنوبية 1967 – 1990 :

بعد نيل الاستقلال من بريطانيا في 30 نوفمبر 1967، اعتدنا على تسميته (بالاستقلال الوطني) وغدونا نحتفل به بقدر عال من الانتماء الى هذه الدولة الفتية والى هذا الوطن الجنوبي الحر، لم تعد السلطنة وطنا، ولا المشيخة او الإمارة دولة، اصبحت لنا دولة وطنية مستقلة ووطن حر من باب المندب الى المهرة. كان امام هذه الدولة الفتية مهمات رئيسة لابد من انجازها منها:

  • بناء جيش وطني جنوبي وقد كان مفخرة كل الجنوبيين لارتفاع معدل الجاهزية القتالية فيه.

  • تعزيز ونشر النظام المالي والاداري الذي ورثته الحكومة الفتية مما كان سائدا ومتبعا في الجهاز الاداري والمالي في المستعمرة عدن. وهو نظام دولة، لا يساعد على نشوء وظهور الفساد.

  • الالتزام بمبدأ ديمقراطية التعليم من حيث جعل التعليم متاحا لكل ابناء الشعب ومجانيا وفتح صفوف محو الامية في المرافق والمدن والقرى في عموم الجمهورية، وكذلك ساهمت الحكومة في التعليم الجامعي في انشاء جامعة عدن وفي برامج الابتعاث الى كل دول العالم تقريبا. وفي تطوير مجالات الثقافة والفنون ونشر الكتاب.

  • تبنت الحكومة الفتية سياسة التخطيط للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية ووضعت الخطط الاقتصادية الثلاثية والخمسية وجعلت من القطاع العام والاشكال الاقتصادية الجديدة كمزارع الدولة والتعاونيات الزراعية والسمكية في الصدارة من قيادة عملية التنمية المستقلة.

  • وضعت الحكومة وهيئات الدولة الاخرى تشريعات جديدة تخدم طبقات الشعب الكادحة وذلك في مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل قوانين العمل وقانون الاسرة (الاحوال الشخصية).

  • نجحت الحكومة الفتية في تبني سياسة خارجية مبدأيه تستند الى الوقوف مع حركات التحرر الوطني في العالم العربي والعالم والوقوف مع قضية الشعب الفلسطيني وحققت نجاحا مكنها من الوصول الى العضوية غير الدائمة لمجلس الامن.

سوف نجد ان الحديث في كل جوانب الدولة الوطنية الجنوبية طويل ومتشعب، مما يجعلنا نعد : اننا سنقف امامه مطولا في دراسة قادمة.

 

الهوامش:

1)احمد فضل بن علي محسن العبدلي، هدية الزمن في اخبار ملوك لحج وعدن، المطبعة السلفية ومكتبتها – القاهرة 1351 هجرية ص :124

2) حمزة علي ابراهيم لقمان، تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية،1960 سلسلة مائة كتاب عرض وتقديم اسماء احمد الريمي ، اصدارات جامعة عدن لعام 2008  ص : 132

3) المصدر نفسه هدية الزمن ص: 127

4) محمد بن اسماعيل الكبسي ، اللطائف السنية في اخبار الممالك اليمنية ، حققه وضبط نصه وعلق عليه ، ابوحسان خالد ابازيد الاذرعي ، مكتبة الجيل الجديد – صنعاء ص : 61 ، 328، 331 ، 386 ، 439 وغيرها .

5) ر. ج. جافن ، عدن تحت الحكم البريطاني 1849 – 1967 ، ترجمة محمد حسن محمد العمري ، دار جامعة عدن للطباعة والنشر ، الطبعة الاولى 2013 ص : 85

6) المصدر نفسه ص: 159

7) السيد مصطفى سالم، تكوين اليمن الحديث اليمن والامام يحى 1904 – 1948، جامعة الدول العربية معهد البحوث والدراسات العربية، مكتبة سعيد رأفت، جامعة عين شمس – الطبعة الثانية ص: 541

8) المصدر نفسه ص: 540 – 54

الدولة الوطنية الجنوبية   
دراسة لـ الدكتور . شهاب القاضي
باحث وناقد جنوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *