آداب و ثقافة

قصة قصيرة.. عقوق مُواساة.

بقلم:

جليلة عبدالله

 

اعتذر منك ولك، اعتذر مني، نيابة عن أبجديتي البكماء التي لا تجيد سوى الدمع، ولكن ماذا لو أخبرتك أن كل مامررت به وما مر بي، لم يعد حزنًا فحسب ولا ألم ولا حتى تعب، لقد أصبحت مُعاناة الروح تكبل الجسد، فتنهشه بقسوة كقسوة العالم من حولي، ولا زلت ألتحف الصمت لأقي ذاتي المنهكة من زمهرير الأحاديث التي لا تورث معها إلا الشقاء، الأحاديث التي غصت بالحناجر ولو نطقت لما أدركت البداية، ثمة تراكمات تعلو هذه الروح فتسقطها أرضًا، تغرقها في قيعان البحار لتغترف ماءً مالحًا عند كل ضمأ..

 

أجدني عاقة، ويالسوء عقوقي، حين أقف دون حِراك، دون أن تصبح أحاديثي معكِ بلسمًا، ولم أقل لو لمرة هاك كتفي لتبكي عليه لإنني كنت أبكيني في زاوية مظلمة، لم أنتشلني من دهاليز الحزن بعد، ربما جف نبع الدمع لكن احاسيسي لم تجف! لازال نبعها يجري رغمًا عن ارادتي في إيقافها، أخبريني كيف أكسر أغلال الصمت دون ندم، أخشى أن أنسى كيف يصيغ المرء حزنه، بل بأي لكنه يتحدث عن تجاوزاته، وايضًا كيف يتحرر من سجن الحياة، إن حُكم على قلبه بالتسكع في شوارع الحنين دون جدوى، فتجده ملهوفًا للعودة للماضي وإن لم يُكن فيه ما يستحق الإلتفات إلى الخلف لو لمرة، يأخذه الحاضر على حين غفلة، يمسك بتلابيب ثيابه ويرميه حيث كان، يقاوم النعاس برأس سرقه السهاد لذة نسيان مؤقتة.

 

أأعلنها بكل ضعف أني ماعدت قادرة حتى على المواساة! أن يداي ماعادت بتلك القوة لتربت على كتفك المتعب، بؤبؤ عيناكِ الفاتن يخطف مني بهجتي حين أراكِ تكفكفين أدمعك براحتيك المخضوبة بالحناء، أحقًا يا أُماه أنا مُتعب الى درجة أجهلها؟

حتى أصبحتُ أضع الصمت الفاصل الوحيد بين ما أود قوله وما يعتصر الفؤاد، ماعدت أعرفني حتى أراني في المرآة شبح متلبس جسد طفلة بائسة تشبهني بضحكتها الممتزجة بالمرارة، الهالات السوداء، عيناها الغائرتان..

 

أُماه فلتغفري عقوق صمتي، الذي يأبى التحرر من أغلال الرغبة بالمغادرة نحو البعيد، نحو اللاشيء، كل شيء لولا قربكِ لا لون له، باهت جدًا، أمضي بروح مُتعبة وكلما حانت مني التفاتة الى الخلف اجدك تدفعين روحك على عجلة الزمن لأصل حيث أريد، وإن سُدت الطرقات في وجهي، كانت تنفتح دائمًا بدعوة منك، أُماه أنا عاقه ويا لعقوقي! أيغفرهُ الرب لأجل قلبك الفائض حُبًا ورحمة، ثِقي يا أمي أنني مابين سجدة وسجدة أتقرب بحبك إلى الله، لإنني لو قلت طاعتك، فطاعتي قليلة لا توفيك مثقال ذرة من تعب!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى