آداب و ثقافة

معماريةٌ لم ترى سوى الهدم.

قصة قصيرة : آية ياسر الغانم

 

لم تَكُن شمس سوى فتاة حالِمة طموحة هدَمت الحربُ أحلامها كما هدمت أحلام الكثيرين والكثيرين غيرها، كانت صغيرة جداً لدرجة أنها لم تعرف كيف تُشكّل أحلامها وتُجسّدُها حتى تُصبحَ جليّة بالنسبة لها، يشتري لها والدها الألعاب مع أخوتها والشيء الواحد من حُلمها كان البناء، أنها تحب الألعاب من النوع الذي يُبنى، تحلم منذ طفولتها لكن حتى الآن لا تدري بماذا، أخبرتنا تلك النجمة اللامعة في عينيها، ثمَّ مع مرور الوقت وهي تحاول أن تبحث عن حلمها، أو أن تجد له اسماً يُجسِّدُه أدركت بأنها تحلم بأن تُصبحَ “مهندسة معمارية”، فهي المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تُمارس حُلمها بكل حب. البناء.

 

كبُرَت شمس وسط الحرب والدَّمار، وكلما ترى ردمًا تشعُرُ وكأن شيئًا هُدمَ في داخلها، ويتضاءَل خيفة حجم النور في قلبها.

 

خشيَتْ عليه أن يستمر في التضاؤل حتى يفنى، لكن ما بوسع فتاة صغيرة الكفين مثلها أن تفعل شيئاً تغيّر به أيَّ شيء.

 

كَبُرَت شمس وكانت مخاوفها تكبُر معها، مخاوفها من أن لا تستطيع بناء هذه البلد مرة أخرى ثأراً ممن هدَمها، مخاوفها من أن لا تستطيع أن تُقدّم لها أي مشروع بناء، مهما كان صغيراً، حتى لو كان بيتاً لفقير، وأن لا تُحقق حلمها؛ حلمها في البناء قبلَ كل شيء.

 

الحرب لا تعرف كبيراً ولا صغيراً، ولا حالماً ولا زاهداً؛ لكن ما ذنب الأطفال الحالمين كشمس؟

 

بالله عليكم أخبروني ما ذنبهم بأن تُنتَهَك حُرمةُ أحلامِهم البريئة الطاهرة؟

 

وأن تنهدمَ قبل أن تُبنى؟

 

لماذا لا تعرف الحرب حدوداً لشيء؟

 

أظن أن ما تخافين منه يا شمس سيحصل، أظن أنك لن تستطيعي البناء في بلدك هذه مجدداً، بِكل ما تحمله معاني الأسف من أسف أُخبرك بهذا مطأطأة القلب، أعلم أنني لا أزف لكِ بشارة جديدة، ولا خبراً مُفرحاً.

 

تمنيت لو أني كنت كاذبة أو أُمازحك في هذا مزاحاً ثقيلاً، لكنها الحقيقة يا عزيزتي، الحقيقة المؤلمة التي لا يمكنك تغييرها الآن.

 

لكن هل لي أن أواسيكِ بشيءٍ لطيف؟

 

علّي أن أزيح هذا البؤس عن قلبك الصغير؟

 

يقولون : “المصيبة إذا عَمَّت طابت ” وهذه المصيبة حقًا على كُل أبناء جيلك.

 

هه،  يا لأسفي، هذه مواساة أم سخرية؟!

 

يجب أن نواسي في أشياء تُصغِِّر من حجم الكارثة لا تكبّرها، لكن في الحرب كل شيء يسير  بالمقلوب، هذه الحقيقة المُرّة التي وبقلبٍ مكسور لا أراني أستطيع تغييرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى