آداب و ثقافة

«الخاتم المفقود» قصة لـ مالك بلخياطي

سمانيوز/خاص

كنت جالسا ذات مساء ربيعي في الحديقة ورائحة الأزهار والحشائش تملئ الأجواء تزينها قطرات الندى والعصافير تشدو بألحانها فوق الشجر ، مستمتعا بفنجان قهوة وبين إصبعي سجارة أكاد انهيها ،أقرأ كتابا أهداه لي صديقي أقلب صفحاته مسافرا بين دهاليزه ،رفعت عيني قليلا وإذا بي أرى شيئا لامعا وسط الوحل ،وضعت الكتاب جانبا وجثوت على ركبتاي أنبش التراب بأصبعي وإذا هو خاتما من ذهب تزين غرته جوهرة صغيرة ،بدا من الوحل الذي غطاه أنه طمر منذ زمن !
نظفته ثم وضعته في جيبي وإنصرفت ،لم يغادرني لحظة بل إنه أصبح نديمي أسامره كل ليلة وأستجوبه على أملا أن يجيبني :
ماقصتك أيها الخاتم؟ ماسبب إستغناء صاحبتك عنك ،هل استرخصتك أم إن خاتم غيرك حل مكانك،أم أن من أهداك إياها أصبح منبوذا وكنت أنت الضحية؟

أجبني أيها الخاتم واثلج صدري..؟
كل ليلة على هذا الحال أستجوبه وهو لا يجيب ، يكتم أسراره وأسرار سيدته..!
ثم أضعه جانبا وأأوي إلى فراشي أحلم بالخاتم وصاحبته ،ياترى من تكون؟ اتراها جميلة ورقيقة وذات عيونا زرقاء براقة وشفتاها مرمرية؟

هي صورة رسمتها لها في مخيلتي وأحببتها لأجلها …!
وجاء اليوم الموعود ،كنت استقل الحافلة لوجهة أبغيها وكان الكرسي الذي جنبي فارغ…!

وإذا بفتاة جميلة مشرقت الوجه كالبدر المنير، جمالها تجسد في الحسن كله، قصدت الكرسي ذاته وألقت نفسها عليه واعتدلت ماسكة المحمول..!

رمقتها بنظرة خاطفة سلبت بها اللب من عقلي وزعزعت كياني…!
عندئذ تذكرت الخاتم فخجلت من صنيعي ،كيف أمني النفس بالحب وخاتم حبيبتي المجهولة معي؟

استخرجته من جيبي بلطفا كأنني أسترجي العفو منه ،أتحسسه بأناملي واستشعر حنان الأصبع التي حملته..!

حملقت في تلك الفتاة بأنوثة مركزت بصرها صوب الخاتم ثم بادرتني بسؤالا لطيف :هل هذا الخاتم ملكك…؟

أومأت برأسي : أجل إنه كذلك!

عندئذ قالت بحزم : هذا مستحيل….!

نظرت إليها باستغراب وقلت :ما المستحيل يا آنسة؟

ردت جازمة :كيف يكون هذا الخاتم ملكك وهو لي!

ابتسمت بسخرية وقلت لها :لو أن كل من قال لشيء يراه هذا لي، ما ملكنا شيئا واستقر في أيدينا ابدا!

أردفت قائلة :أقسم لك أنني صادقت إنه ملكي وقد فقدته منذ مدة.!

مادليلك على كلامك هذا يا آنسة؟
ردت : الحرف المنقوش داخله ،إنه حرف” أس “باللغة الأجنبية، تأكد من ذلك من فضلك وإن كنت صادقت أم كاذبت ؟

أردت التأكد من ادعاءها وكانت فعلا صادقت الحرف المنقوش هو أس …!

هل تأكدت ياسيدي من صدق كلامي ؟
سكت برهة وأنا أنظر إلى الخاتم والحزن يعصر قلبي فقد أفارقه بعد حين …!

رفعت رأسي ببطئ وتنهدت ثم أجبتها. :أجل أنت على محقت!
لكن قبل أن اسلمه لك أريد أن أسألك بعض الأسئلة !

زمت شفتيها وقالت : تفضل أنا اسمعك!
قلت لها :هل اضعتيه أم أنك أنت من رميتيه في التراب؟

قالت بامتعاض :وهل هذا يهمك؟
أردفت قائلا :أجل لأنه أصبح نديمي في ظلمات الليل ، أسأله كل ليلة ،ما الذنب الذي ارتكبه حتى كان مصيره الرمي؟
قالت مبتسمةً :ماذا هل فعلا كنت تحدثه؟

أومأت برأسي :أجل هو كذلك …!
قطبت حبينها وقالت: بماذا اجابك عندما سألته ؟

كان يلتزم الصمت ، ويكتم أسراره!

ابتسمت ابتسامة طفولية وقالت :والله أنت مجنون ،كيف تكلم جمادا وتريده أن يجيبك ؟

أردفت قائلا : من تقولين عنه جماد له احساس مثلنا تماما!

ردت قائلة :يظهر أنك فيلسوف!
لا لست فيلسوف ولا راهب ولكن أردت أن أتحرى الحقيقة والآن بما أنك هنا أخبريني هل اضعتيه أم رميتيه؟

إزدردت لعابها وقالت: بل طمرته في التراب وتمنيت أن لا يأثر عليه أحد!

لماذا فعلت ذلك؟
أردفت قائلة :أردت أن أدفن معه عشقي لخطيبي السابق وكان يدعى سفيان ،بعدما شنق أحاسيسي التي كان ينسج لي سجادها المذهب ، لكنه غدر بحبي وتزوج صديقتي وتركني اتألم!

أطرقت برأسي قليلا ثم نظرت إليها نظرة حزن ، كلماتها كانت مثل البارد المشتعل نسفت غروري وجعلتني أشفق عليها!

قلت لها : الواضح إنك سهرتي ليالي تتحسرين على ذلك الحب المغشوش!

أجفلت قليلا ثم قالت : كانت ليالي طويلة مليئة بالأحزان والدموع!

أردت المبادرة بالتقرب من قلبها المكلوم فسألتها قائلا :والآن ماذا تصنعين ، وهل هناك من اقتحم أسوار قلبك مرة أخرى أم أنه مازال حرا طليق ؟

ردت قائلة :لقد وضعت حقيبة العشق على قارعة النسيان ، وأستند على جدار الزواج والحمد الله!
سألتها مستغربا :ماذا تقصدين بكلامك ؟

قالت :نسيت الحب نهائيا ولن أفكر فيه ابدا ، لقد خطبت لأحدا أراد زوجة ولم يريد حبيبة وأنا قبلت بذلك!

فقلت كلمة خسارة ممزوجة بتنهيدة!

ردت :ولما الخسارة إلا أنني تركت الحب أم ماذا..؟

أردفت :هو كذلك ولكن خسارتي أنا كانت في أكبر بعدم نيل مفاتيح قلب من كانت رفيقة حلمي طيلة الشهر !

هل تقصد إنك عشقتني دون أن تعرفني وهل من الكياسة والذوق حدوث هذا…؟

قلت :بالعكس تماما فقد كنت اعرفك جيدا !

تجسم القلق على وجهها وقالت :كيف تعرفيني وأنا لم أراك إلا الساعة ؟

استطرد قائلا :عرفتك من هذا الخاتم الذي في يدي ،عرفت من ملمسه إنك رقيقة ،و من زخرفته إنك أنيقة ، ومن لمعانه إنك نقية السريرة .

فهل تأكدت أنني أعرفك جيدا ؟

ابتسمت ابتسامة طفولية وأردفت قائلة :ألم أقل لك أنك فيلسوف .

وإذا بقابض الحافلة ينادي على المحطة القادمة !
فقالت لي :أنا سأنزل في هذه المحطة.
ثم سألتني قائلة :ألا تريد أن تعطيني الخاتم يا سيد ،لكنك لحد الآن لم تخبرني باسمك!

قلت لها :اسمي مراد ،وأنت ماهو أسمك ؟

أردفت قائلة : أدعى نرجس …!
تشرفت بك يا سيدة نرجس، والخاتم من نصيبك رغم أنه يعز عليا فراقه لكن لا حيلة لي !

سلمتها إياه فلم توشح به إصبعها بل خبأته داخل حقيبتها وقالت لي : يا سيدي لو لم يكن يحمل جرحي لاهديته لك ، لكن الجراح لا تهدى أعذرني !

قلت لها :لا بأس !

توقفت الحافلة ونزلت فشيعتها وهي تغادر رفقة خاتمها المفقود كاتم أسرارها، حتى أتت واخبرتني بها .

وبقيت أنا وحيدا فهذا حال من يتعلق بالمفقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى