آداب و ثقافة

«حارس سطح العالم».. «الصندوق الأسود» لأزمة السقوط في المعنى

رواية تعالج وظيفة اللغة ودور القارئ وماهية الوجود الإنساني

سمانيوز/ متابعات /منى خليفة الحمودي

 

في مشهد السرد العربي المعاصر، حيث تتواتر الروايات التي تتناول القمع بأشكاله المباشرة، تبرز رواية «حارس سطح العالم»، للروائية الكويتية بثينة العيسى، كعملٍ يختار مساراً مختلفاً، فالرواية لا تكتفي برصد تجليات السلطة على الأجساد أو الحريات العامة، بل تذهب إلى ما هو أعمق، إذ تتناول تفكيك آليات السيطرة على «المعنى» ذاته، عبر قالب «ديستوبي» محكم، وتقدم العيسى نصاً يُسائل وظيفة اللغة، ودور القارئ، وماهية الوجود الإنساني حين يُفرغ من دلالاته في صندوق أسود مليء بالأسرار والغرائبية المدهشة..!

عالم ما بعد «ثورة التطهير»

تدور أحداث الرواية في زمن مستقبلي غير محدد، بعد حدث مفصلي، يُطلق عليه «ثورة التطهير»، وفي هذا العالم، لم تعد السلطة بحاجة إلى إحراق الكتب، كما في كلاسيكيات أدب المدينة الفاسدة، بل ابتكرت آلية أكثر تعقيداً، والتي تمثلت في تفريغها من محتواها التأويلي والتخييلي، وبطل الرواية رقيب كتب يعمل في «إدارة الرقابة»، يُترك بلا اسم، ليعكس حالة «محو الهوية» التي يعيشها المجتمع، ووظيفته ليست المنع المطلق، بل التأكد من أن النصوص لا تتجاوز «السطح».

وتعتمد العيسى في بناء روايتها على التناص مع أعمال كلاسيكية عالمية كبرى، وهو توظيف يخدم ثيمتها الأساسية، والذي يتمثل في أن الكتب ككائنات حية تقاوم المحو، فالسلطة تدرك خطورة الذاكرة الجماعية، وهو ما تلخصه الرواية في استعارة تقلب مقولة أورويل من التدمير إلى الإنقاذ «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي».. ثم تكمل على لسان بطل القصة «إننا نحاول إنقاذ الماضي لكي يصير المستقبل ممكناً»، وهذا الإنقاذ لا يتم إلا عبر حماية النصوص التي تحمل إرث الإنسانية من التسطيح الممنهج، وهو ما يجعل الرقابة على المعنى أشد خطورة من الرقابة على الورق.

مانيفستو التسطيح

يشكل «دليل رقيب الكتب إلى القراءة الصحيحة» العصب الفلسفي للرواية، فهذه الوثيقة البيروقراطية الباردة، تحمل وصيتها الكبرى بشكل ضمني «يجب أن نبقى دائماً على سطح اللغة، إياك والتورط في المعنى، هل تعرف ما الذي يحل بأولئك الذين يسقطون في المعنى؟ تصيبهم لوثة أبدية، ولا يعودون صالحين للعيش، أنت حارس السطح.. مستقبل البشرية يتوقف عليك».

والسلطة في الرواية لا تحارب الكلمات، بل تحارب المخيلة التي تنبثق منها، فالرواية تجيبنا بوضوح فلسفي قاطع عن سبب هذا الخوف: «الوجود الإنساني شقاء.. أصل الشقاء هو الرغبة، وأصل الرغبة هو المخيلة»، وفي هذه الجملة الثلاثية المتسلسلة، تضع العيسى يدها على الجرح الحقيقي، فبقتل المخيلة، تضمن السلطة بقاء الإنسان في حالة من الرضا البليد، مجرداً من أي دافع للتساؤل أو التغيير، فـ «السقوط في المعنى» جريمة، لأنه يقتضي ذاتاً فاعلة تنتج تأويلها الخاص، وتعدد التأويلات يهدد «الحقيقة الواحدة» التي تحتكرها السلطة، وتفرضها واقعاً مطلقاً لا يقبل الجدل.

يتتبع السرد التحول البطيء والمؤلم للرقيب، من فرد مغلوب على أمره في آلة الرقابة، إلى قارئ متمرد يخبئ الكتب، وتبلغ هذه الرحلة ذروتها، حين يدرك البطل حقيقة وجوده من خلال فعل القراءة ذاته: «أتم المجنون قراءة كل ما حدث في حياته، ليجد نفسه وقد تحول إلى قارئ،…..حتى اللحظة التي اكتشف فيها أنه شخصية روائية».

وهذا الاكتشاف المذهل، ينسف الحدود بين الواقع والخيال، فالقراءة هنا ليست نافذة نطل منها على حيوات الآخرين، بل هي المرآة الوحيدة التي نرى فيها أنفسنا، وحين يكتشف الرقيب أنه مجرد شخصية في نص أكبر تكتبه السلطة، يدرك أن التحرر الوحيد، هو أن يرفض استخدام الممحاة، وأن يمسك هو بزمام روايته.

ونجحت بثينة العيسى في تقديم عمل يجمع بين التشويق السردي والعمق الفلسفي، بلغة مكثفة، تعتمد على المجاز والاستعارة، بدلاً من اللغة التقريرية المباشرة، وهو ما يتسق مع ثيمة الدفاع عن الخيال، واختيارها لثيمة «الرقابة على المعنى»، يمثل إضافة نوعية لأدب الديستوبيا العربي، الذي يميل عادةً إلى الرقابة السياسية التقليدية، وقد يرى بعض النقاد أن الرواية تتكئ بشكل واضح على الإرث الديستوبي العالمي، غير أن العيسى تعوض ذلك بتركيزها الدقيق على اللغة، كأداة للقمع والمقاومة في آن واحد.

 

وبسرد ديستوبي عميق، تتركنا الرواية في نهايتها أمام سؤال مفتوح..، وهو إذا كانت اللوثة الأبدية هي ثمن السقوط في المعنى، فما الثمن الذي ندفعه حين نختار البقاء على السطح؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى