آداب و ثقافة

ظاهرة الحزن في شعر الشعراء الشباب في عدن

د.شهاب القاضي

د.شهاب القاضي

باحث وناقد جنوبي
ظاهرة الحزن في الشعر العربي المعاصر ؛ مالبثت تزداد إنتشارا افقيا ورأسيا ؛ افقيا منذ نازك الملائكة وحتى اليوم وفي جميع اجيال الشعراء ، شبابا وكهولا ، ورأسيا في تنوع تناولها من حيث الصورة الفنية والتجربة الشعورية وزاوية التناول .هل يعود ذلك الى واقعنا العربي الذي يزداد سوءا، ظلما”و ظلاما ، وقمعا للحريات وتنكيلا بالمواطن العربي ، بدءا من لقمة العيش، وحتى القتل بسبب الرأي او بسبب الكلمة الحرة .؟؟؟
يكتب الشاعر قصيدته متأثرا بواقعه المؤلم ، المباشر وغير المباشر ويتفاعل معه ، ويكتب نصا شعريا مفعما بالحزن ، والالم والشعور الشقي ، لم يعد الشاعر العربي يكتب الحزن ، متأثرا بالمعرفة كما اشار الى ذلك عزالدين اسماعيل في كتابه الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والموضوعية حيث قال ( وقد يبدو غريبا ان تكون المعرفة مصدرا للحزن ،لكن شيئا من التأمل في موقف شاعرنا المعاصر يجعلنا ندرك كيف ان بعدا من ابعاده يرتبط بقضية المعرفة ارتباطا وثيقا ) ص 355 وقد يبدو هذا الكلام مقبولا لو عرفنا انه قد قيل قبل ستين عاما تقريبا ولم تكن الاوضاع العربية على هذه الشاكلة التي نعيشها هذه الايام التي لو عاشها دكتور عزالدين اسماعيل لوضع المعرفة والتأثر بالاداب الخارجية في درجة ثانية من بين العوامل المدروسة لظاهرة الحزن في الشعر العربي المعاصر .
فهل الحزن عند الشعراء الشباب في عدن ، يمكن ان نحيله الى التأثر بالثقافة العربية وبتيارات الشعر العربي المعاصر ، ام الى واقعهم الذي يعشون فيه في عدن ، وهو اقرب ، اي الواقع ، الى العالم الكافكاوي السوداوي الحزين المحزن ام لكليهما معا” ؟؟؟.ولكن الحزن ايضا قد يأتي شخصيا ، حميميا ، اي ان مصدره التجربة الخاصة للشاعر او للشاعرة فتنعكس على التجربة الشعورية في القصيدة وعلى مانسميه الصدق الفني …في كل الاحوال الشاعر حزين ،ان كان منكفئا الى الداخل او متموضعا الى الخارج ، وهو يقدم رؤية الى العالم ، رافضة ماتراه ، متمردة على واقع يكرس تواطئا دونيا،وتحلم بالتغيير .
احاول في هذه العجالة ان اتناول ظاهرة الحزن عند بعض من شعرائنا الشباب ، في الدنو قليلا من قصائدهم بما تحمله من موضوعات : عن الوطن ، وعن الحياة وعن الحبيب، لعلي اصل الى نسجة من تصور شامل عن الملامح الفنية لبعد من ابعاد التجربة الشعرية عندهم وهو الحزن .ففي قصيدة: معزوفة الاحزان للشاعر عبدالله الاحمدي ، تجد ان الحزن هو قدر الشاعر، قدره الذي لا فكاك منه :
تناسييت احزاني وقلبي يعيدها
لتبدي لي الايام اني وليدها
انه رضيع الاحزان ، والهموم ، يعيش قهرها ، وجبروتها ،فهو في زمان القهر والحرمان والاستعلاء فكيف له ان يخرج من ربقة هذا الظلم ، انى له حتى ان يأمل او يحلم والحلم قد صادرته القوى القاهرة :
سابعث للكون الفسيح مواجعي
في قيتارة الاوجاع قلبي بريدها
رأيت عروش الملك ترفض اهلها
وتزدان عرسا ان اتاها عبيدها
تداعوا على الآمال واغتصبوا المنى
فهل في زمان القهر من يستعيدها ؟؟
هل لنا ان نرى مابعد زمان القهر ، هل تنقشع هذه الغمة ، ونستعيد كل تلك الآمال والاماني والامنيات في وطن مستقل حر وسعيد ،هل يمكن ان نرى ذلك الفجر حقا ؟ الشاعر رائد القاضي في خطاب تبشيري بالغ الفن والجمال والروعة بعد ان تأخذنا احزانه واشجانه وبروقه بعيدا في جمالية بارعة ،يبشرنا بميلاد فجر جديد يسلخ من واقعنا كل اهتراءته :
هيا انطلق ايها الركب
تلك منائرنا
تلك آخر قطرة دمع
تلوح للعابرين
إنهم هاهنا ايها الفجر
يعتصرون السنا موطنا
لم يعد في القلوب
مزيدا من الصبر
هيا تعطر ورف
ومد يديك
وضم لهيب تحرقنا
للقاك
لكنه الفجر المرجأ ، الفجر المأمول ، هل يأتي ، هل نأمل كما أمل الشاعر ابوبكر الهاشمي بعد ان خرج من رحم الزمان ، ان يرى الحب والسلام فلم يجد الا القتل سيدا ، والاشلاء لغة تتسيد الانحاء انها امة الدماء ،يقول الشاعر :
يا امة غابت عن التاريخ
او قل غيبت
وتناثرت
فرقا يغذيها الخصام
فتساقطت ورق الخريف
خريفكم
فقل متى يأتي الربيع
ربيعكم ؟
حتى الربيع اشك فيه
إذا اتى
واشك ان تزهر براعمكم
اشك من الحياة لامة
عشقت حياة الجدب
عادت تستجير
من الحضارة بالخيام .
انه وطن في جيب المستحيل بحسب تعبير الشاعرة اعياد عامر حيث تقول في قصيدتها (عربية ) :
أقطف من تجاعيد النحس وطنا يصافح ذاكرة عروبته المهدورة…
وبحذر ادسة رشوة في جيب المستحيل … او هو البلد الذي يضيع بحسب تعبير الشاعرمحمد بن قيس وبها دروب المخلصين تقطع .. ماذا بعد ، انها اذن حرب الجميع ضدالجميع بحسب تعبير توماس هوبز ، لم يعد الاخر سوى العدو وقد عبرت الشاعرة ايمان خالد في قصيدتها خلف نافذتي اصدق تعبير عندما رفضت كل ماهو في الخارج من دم وموت وسلاسل وطفولة تسلب وألعاب اطفال تحت الركام واصوات فقراء يريدون شراء الرغيف وشعب ضائع ..تائه يسأل اين طريق النجاة ؟؟ ولما لم تتحمل كل ذلك نجدها تصرخ وتقول:
مهلا ياامي
بربك لا تفتحي النافذة
اتها لا تريد ان ترى الاخر ، انه القاتل وانت المقتول ، او العكس صحيح ، في غياب الدولة وانتشار المليشيات كل الاحتمالات واردة ،فالمدينة عند الشاعر بسام الحروري في قصيدته ( ماتيبس -من – دم الوعول ) تطرز دمها
تتزيا بموعدها الحجري
وماتيبس من دم الوعول
وصورة القناص
في الافق المعلق
يشتم الموتى
ويهذي ناغما
متوشحا افعاه
ليس هنالك بالتأكيد الا لغة الافعى / السلاح ، الآلي .. قتلى ، دماء ، ومشانق ، هذا هو الوطن ، فهل نأمل ، هل بمقدورنا ان نأمل ام انها احلام كالدخان يختتم الشاعر قصيدته قائلا :
ويرسم عابر
في وجه سور مائل
اضغاث امنية
تكون …ولا تكون .
نكون او لا نكون ، تلك هي المسألة، بهذه المعادلة الهاملتية ، يضعنا بسام امام محك الاختبار الوجودي ،وهذا هو التحدي ،تحدي كل الالام ، ونكبات الواقع ووقع الحياة الرتيب الممل المظفورة بالحزن والشعور الاسيان الذي نعيد إنتاجه في كل لحظة وآن انها ( تشيع حزني غيمة) كما عبر عن ذلك الشاعر انور قائد ، الذي يجد احزانه في الحياة وسؤال الموت … في الحياة عندما يكون بقرب الحبيبة التي تكتظ بالتين والزيتون والتي يفقد بقربها التوازن واختيار الكلمات :
لكنا
سمرت منتصفا
ليث انفجارك بي … يعود بي
ليث كان الأن لا يفنى
وفي الموت الذي يحبه الشاعر ( اني احب الموت ) يجد ذاته، مرة اخرى في جدل وجودي ساخن ، الوجود / العدم ، الحياة / الموت فيصرخ في البرية صرخة الصوفيين الاوائل ( انا اللا ) في النص الثاني ، وكأنه يقتدي بسلب هيجل الذي يهب الموت حياة ، ويجعل من الظاهرة الوجودية بما هي قطبية الحضور انتثالا ايجابيا لا يحد ،يقول الشاعر :
انا اللا
فوحي قادم
بعض نكهة
من الارض منفى
شهقة تنسج المخمل
” هل راى الحب سكارى ”
وهل
هل
هل …؟!
لا تعترف الشاعرة صابرين بما يقوله الشاعر ابراهيم ناجي ( هل رأى الحب سكارى ) ، انها ليست رومانسية حد التسليم الكامل للحبيب ولكنها تبحث في متن الذكريات عن رجل ، تحول بالنسبة لها الى ذكرى ، وتقوم باستدعائه لكي تقول له انت فقط مازلت ذكرى وهي ( لن تقول لك ماقرأته في كتب الشعر ) تقول الشاعرة في قصيدتها مذكرات لرجل بلا ظل :
انت رجل من الذاكرة
وكأس من البلور عبرت بخوفي نحو الضوء
انت كف امسك بظلي
لبس وجعي
حضن دمعي
وفي لحظة تأتينا فجأة ،تجتمع عندها كل المتناقضات ، تنهض الشاعرة رافضة كل الذكريات التي جعلت منها امرأة ضعيفة تجفل خوفا ، وقلقا ، انه لم يعد موجودا ، حتى اذا غمرها بعطفه تيقضت فيها ارادة المرأة التي لاتستكين حزنا وخوفا نسمعها تقول :
فقط خذ اسطوانة الاطلال وانهض
الى مطار المستحيل
لست امرأة تهوى البحر
ولست مسافرا في اعماقي
انك رجل من ذاكرتي
وتختتم القصيدة بهذا المقطع :
رميت خلف المطر وعودي
انك رجل من ذاكرتي
انها تخلف ماضيا دون اسف ، وندوبا من الخوف القديم ، لكنها الان حرة في هذا الحاضر والمستقبل القادم ، لقد انسلخ من حياتها الفعلية ، وان بقيت له ذكريات …ذكريات ..
فاذا كانت صابرين حسمت تجربتها العاطفية باصرار وتحد ، فإن الشاعر جهاد العبادي يعاني الحزن والآهات والاشواق فمازالت حبيبته بعيدة يقول في النص الثاني :
عودي الي لكي ارتاح من وجعي
ياهمس قلبي ويابوحي واسراري
خلف النوافذ بتلو الآه اغنيتي
ويعزف الشوق في صمت وإشهار
الا انه بالرغم من طغيان الشوق الى الحبيبة ومايكابدة الشاعر من الم ومن حزن وآهات ، تنتابه المخاوف من مستقبل هذا الحب العنيف ، ينتابه قلق المجهول ، او القلق الذي تبديه غربة الايام :
لا اعرف الان اين الحب يقذف بي
في لجة اليم ام في ظلمة الغار
اكابد البعد والآهات في كبدي
في ليل خاو فقدت اليوم اقماري
وتنتهي القصيدة والشاعر مازال في حيرة بالرغم من اشواقه الهادرة :
قد يورق الحب في بستان قافيتي
ويسبح الشوق في ضفاف انهاري
وقد ( حرف يفيد التوقع مع المضارع ) قد…هنا امل ورجاء، تمسك بتلابيب المجهول والانتظار ،وازاء ذلك الخوف من القادم ،نخشى على الشاعر ان يتحول حبه هذا الحب العنيف الى ذكريات …ذكريات .
في الأخير ..نجد ان ظاهرة الحزن في شعر الشعراء الشباب ، ظاهرة ليست عابرة ، بل ظاهرة اصيلة ترتبط بالواقع الاليم والمضطرب الذي يعيشونه، فيحاولون التعبير عن رفض هذا الواقع والتمرد علية في سبيل واقع جديد ومستقبل افضل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى