أخبار دولية

الحشد الروسي على حدود أوكرانيا يثير رياح تباين أميركي أوروبي.

سمانيوز/متابعات

ثمة انقسام جيوسياسي بشأن تقييم أخطار غزو روسيا في حال حصوله لأوكرانيا، إذ حذرت الولايات المتحدة وبريطانيا من أن حشد موسكو قوات على حدود الجمهورية السوفياتية السابقة يؤشر إلى أنها قد تشعل نزاعاً ضخماً، فيما تشكك دول أوروبية بذلك، كما أوردت صحيفة “واشنطن بوست”.
وأشارت إلى أن برلين تقاوم بشكل خاص الرأي السائد في واشنطن ولندن، إذ استبعدت إمداد كييف بأسلحة دفاعية حتى الآن، كما أن مقاتلات بريطانية تجنّبت المجال الجوي الألماني لدى تسليمها أوكرانيا أسلحة مضادة للدبابات، واختارت بدلاً من ذلك مساراً أطول فوق بحر الشمال والدنمارك.
واعتبرت ليانا فيكس، وهي باحثة في الشؤون الروسية بـ”مؤسسة كوربر” (مقرها برلين)، أن ثمة أسباباً كثيرة لهذا التباين، مستدركة أن هناك اختلافاً أساسياً بشأن موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونواياه، إذ أن كثيرين في أوروبا يعتقدون بأنه مخادع.
وقالت فيكس التي تعمل الآن بشكل مؤقت كباحثة في “صندوق مارشال الألماني” بواشنطن: “في أوروبا، كان التصوّر أن روسيا تهدد عسكرياً لنيل تنازلات. لكن التصوّر هنا (في الولايات المتحدة) يبدو أن التصعيد العسكري ربما يكون المسار الأكثر احتمالاً في المستقبل”.

جنديان أوكرانيان قرب قاذفة صواريخ خلال تدريبات عسكرية في خيرسون – 19 يناير 2022 – REUTERS

“بوتين يخادع”

وذكّرت الصحيفة بقول القائد السابق للبحرية الألمانية كاي أخيم شونباخ الجمعة الماضي، بعدما سأل مجتمعين خلال ندوة نظمها معهد أبحاث في نيودلهي، هل يعتقدون بأن روسيا مهتمة بالسيطرة على “شريط ضئيل من الأراضي الأوكرانية”، مجيباً: “لا، هذا هراء… بوتين ربما يضغط علينا لأنه يستطيع فعل ذلك”.
واعتبر أن على الدول الغربية الردّ من خلال منح الرئيس الروسي الاحترام الذي يستحقه، علماً أن شونباخ استقال من منصبه السبت، إثر احتجاج دولي على تصريحاته.
ولفتت “واشنطن بوست” إلى أن هذه الآراء ليست معزولة، إذ يعتقد مسؤولون وخبراء كثيرون أن روسيا لا تسعى إلى إثارة نزاع، وأن حشدها العسكري هو مجرد حيلة تستهدف إرغام الغرب على تقديم تنازلات.
لكن ثمة خلافاً بشأن مسألة تلبية مطالب روسيا التي تشمل إنهاء توسّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الشرقية.
وكتب المؤرّخ والاستراتيجي العسكري إدوارد لوتواك على تويتر الأسبوع الماضي: “بوتين يخادع بشأن أوكرانيا. إن غزو أكبر دولة في أوروبا بأقل من 200 ألف جندي لن ينهي الأزمة بنصر تحققه روسيا. بدلاً من ذلك، سيبدأ حرباً لا تستطيع روسيا خوضها. لن ترسل أي دولة أوروبية قوات (عسكرية)، لكنها سترسل أسلحة” إلى أوكرانيا.

تجنّب “انهيار عصبي”

وأشارت الصحيفة إلى أن روسيا فاجأت الجميع سابقاً وشنّت “عدواناً دولياً ضخماً” خلال عهد بوتين، مذكرة بحروب الشيشان (1999) وجورجيا (2008) وسوريا (2015)، وحتى بتدخل موسكو في الأقاليم الانفصالية بشرق أوكرانيا منذ عام 2014.
واستدركت أن غزواً واسعاً لدولة هائلة، محاذية للاتحاد الأوروبي، ومجهّزة جيداً بأسلحة غربية وشعبها معاد إلى حد كبير لموسكو، قد يكون أمراً مختلفاً تماماً.
ويبدو أن لدى مسؤولين أوروبيين شكوكاً بشأن حسابات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بعد لقائه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بروكسل الاثنين، إن على الدول تجنّب “انهيار عصبي” في ردود فعلها على الوضع.
وتابع: “نعلم جيداً درجة التهديدات والطريقة التي يجب أن نردّ بها، ولا شك في وجوب أن نتجنّب ردود الفعل التي تثير مخاوف”.
لكن ثمة مَن يتخذ موقفاً مغايراً تماماً، إذ كتب مايكل كوفمان، مدير برنامج الدراسات الروسية في “مركز التحليلات البحرية” (مقره واشنطن)، في موقع War on the Rocks، أن الولايات المتحدة وحلفاءها في “الناتو” لا تستطيع تلبية مطالب روسيا.
وأضاف: “من خلال الإعلان عن مطالبها ورفضها تفكيكها بطرق قد تؤدي إلى حلّ وسط، جعلت روسيا جهودها الدبلوماسية تبدو أنها (مجرد) أداء أكثر من كونها حقيقية. ربما تسعى موسكو إلى الحصول على ما يمكنها الحصول عليه، لكن المطالب السياسية لا تتماشى مع الجانب العسكري من المعادلة”.

“بوتين يجازف” بصدقيته

ورغم نفيها أنها تخطّط لعمل عسكري، طرحت موسكو مطالب أحادية تمنع أوكرانيا من دخول “الناتو”، وتقصر قوات الحلف فعلياً على حدود دوله في عام 1997، قبل توسّعه في شرق أوروبا.
وأعدّت روسيا اتفاقات مع الولايات المتحدة و”الناتو”، فيما ذكر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، أن مطالب بلاده ليست قائمة مطعم يمكن الاختيار من بينها.

لكن ثمة مَن يعتقد بأن إطار تلك المسوّدات يعكس افتقاراً إلى الجدية. وكتب مايكل ماكفول، السفير الأميركي السابق في موسكو، في مقال نشرته “واشنطن بوست” أخيراً أن “المفاوضات الجدية لا تبدأ من صوغ جانب واحد اتفاقاً كاملاً، ناهيك عن نشره. والإنذارات، كما نعلم من التاريخ، تكون غالباً ذرائع للضمّ أو الحرب”.
المؤرخ البريطاني تيموثي آش اعتبر، في مقال نشره “أتلانتيك كاونسل” هذا الأسبوع، أن “بوتين يجازف، من خلال التراجع عن التصعيد العسكري، باتهامه بالفشل في انتزاع تنازلات جدية بشأن أوكرانيا أو من الناتو. سيُنظر إليه على أنه رجل يتحدث كثيراً ويهدد، ولكنه يتراجع في النهاية، عندما يواجه رداً قاسياً من الجانب الآخر”.

“ابتزاز” بايدن؟

ويتفق آخرون مع هذا الرأي، إذ قالت فيونا هيل، وهي مسؤولة بارزة سابقة في شؤون روسيا بمجلس الأمن القومي خلال عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، إن بوتين يعتقد بأنه يستطيع انتزاع تنازلات من الرئيس جو بايدن، لأنه يهتم بأوكرانيا أكثر من ترمب.
وأضافت: “إذا طالبناه بتنفيذ تهديده، فعليه أن يفعل شيئاً، وإلا فإن أياً من تهديداته لن تحظى بصدقية”.
حتى بايدن يعتقد كما يبدو الأمر ذاته، بقوله الأسبوع الماضي، في إشارة إلى بوتين: “أظنّ أنه سيتحرّك. عليه أن يفعل شيئاً”.
النائب الديمقراطي الأميركي رو خانا قال لشبكة “سي إن إن” قبل أيام: “رئيس الولايات المتحدة لن يخضع لابتزاز. إذا فعل ذلك، ستحاول كل دولة أخرى ابتزاز الرئيس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى