“ناتو” دون أمريكا.. حلم أوروبي لا يزال مستحيلا

سمانيوز /متابعات /القاهرة الإخبارية – أحمد صوان
منذ تأسيسه قبل ما يقرب من ثمانية عقود، اعتمد حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أقوى تحالف عسكري في العالم، على “خدعة ثقة”، وهي افتراض أن كل عضو، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، سيدافع عن أي حليف يتعرض للهجوم، لكن تلك الثقة تضررت بشدة جراء تشكيك الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب المتكرر في جدوى الحلف وإنكاره لالتزامات بلاده الدفاعية المشتركة.
وهذا الشهر، تحطمت هذه الثقة تمامًا بتهديدات ترامب بالاستيلاء على جرينلاند من الدنمارك، الشريك المقرب للحلف، ووفق ما وصفته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، فإن هذا “تغيير هائل سيجبر حلفاء أمريكا المكلومين على إعادة تصور كيفية تنظيم أمنهم على مضض”.
وفي حين أن هذا الموضوع لا يزال شديد الحساسية بالنسبة لمعظم أعضاء الناتو، بدأ بعض المسؤولين الأوروبيين الضغط من أجل نقاش أكثر فعالية حول البنية الأمنية للقارة، فقبل تهديدات ترامب الأخيرة بشأن جرينلاند، كانت القوى الأوروبية بدأت للتو في استيعاب تداعيات نقل إدارة ترامب عبء أمن القارة بعيدًا عن الولايات المتحدة.
والشهر الماضي، أفاد تقرير لوكالة “رويترز” بأن مسؤولين في البنتاجون أبلغوا دبلوماسيين أوروبيين برغبتهم في “إنجاز هذا الأمر بحلول عام 2027″، وهذا يمثل جدولًا زمنيًا أسرع بكثير بالنسبة للجيوش الأوروبية، ما سيترك ثغرات كبيرة في دفاعاتها، ولكنه سيظل مرحلة انتقالية.
لكن كما تشير الصحيفة، فإن “انفتاح ترامب الواضح على غزو حليف قد غيَّر قواعد اللعبة، وحتى أكثر المؤيدين حماسة لدور أمريكا بين مسؤولي الدفاع الأوروبيين يقولون إنهم لم يعودوا قادرين على التهاون بشأن نوايا الولايات المتحدة”.
في الأسبوع الماضي، تبيَّن أن القوات المسلحة الكندية أجرت تخطيطاً للسيناريوهات المحتملة لغزو أمريكي، على الرغم من أنه أمر مستبعد، بينما تختلف مواقف العواصم الأوروبية اختلافًا كبيرًا بشأن مدى وسرعة خروجها من تحت غطاء الأمن الأمريكي.
ترتيبات أوروبية
في قمة قادة الاتحاد الأوروبي، الخميس الماضي، لمناقشة العلاقات عبر الأطلسي، اتفقت دول الكتلة على “خفض منهجي للاعتماد على الولايات المتحدة على المدى المتوسط والطويل”، وفقًا لمسؤول مطلع في الاتحاد الأوروبي، لكنهم انقسموا حول النهج الصحيح للسنوات الثلاث المتبقية من ولاية ترامب: الانخراط أو النفور.
حتى الآن، لا تزال إعادة النظر في الترتيبات الأمنية في أوروبا من المحرمات إلى حد كبير في الأوساط الرسمية خوفاً من استفزاز ترامب للانسحاب من حلف الناتو تمامًا، أو تشجيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استغلال الضعف المتصور.
وبشكل خاص، تواجه بريطانيا معضلة صعبة، نظرًا لعلاقاتها العسكرية والاستخباراتية الوثيقة مع واشنطن واعتمادها على الولايات المتحدة في الحفاظ على قدرتها على الردع النووي. وحتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -الذي أعلن بشكل شهير أن التحالف “ميت سريريًا” في عام 2019- يحرص على عدم التشكيك في أهمية التحالف للدفاع عن أوروبا.
لكن إذا انسحبت الولايات المتحدة من الدفاع الأوروبي أو تخلت عنه، فإن ذلك سيخلق تحديات هائلة للحكومات الأوروبية.
قال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، أمام البرلمان الأوروبي الاثنين الماضي: “إذا كان أي شخص هنا يعتقد … أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، فليستمر في الحلم”.
“إذا كنت ترغب حقًا في المضي قدمًا بمفردك، فانسَ أمر إمكانية الوصول إلى ذلك بنسبة 5% (من الإنفاق الدفاعي). ستكون النسبة 10%.. عليك بناء قدراتك النووية الخاصة، وهذا يكلف المليارات من اليوروهات”.
استبدال صعب
في الواقع، إذا كان دعم أوكرانيا دون أمريكا أمرًا صعبًا بما فيه الكفاية، فإن الدفاع عن أوروبا بمفردها يكاد يكون مستحيلًا، إذ يعتمد الحلف بشكل كبير على الولايات المتحدة في توفير قدرات حيوية، لا سيما في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، والاتصالات القتالية والحوسبة السحابية، والدفاعات الجوية، وطائرات النقل الثقيلة، وقمع الدفاعات الجوية للعدو.
كما تفتقر الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو إلى صواريخ دقيقة بعيدة المدى بكميات كافية، إضافة إلى أنهم سيتعين عليهم الاستغناء عن قوة أمريكية قوامها 128 ألف عسكري، والتي يقول المحللون إن القادة الأمريكيين عادة ما ينشرونها في عملية تابعة لحلف الناتو ضد هجوم روسي.
وفي تقرير صدر العام الماضي، قدّر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية أن استبدال المساهمة الأمريكية مباشرةً سيكلّف تريليون دولار، بافتراض تكاليف شراء لمرة واحدة ودورة حياة للمعدات تبلغ 25 عامًا.
وفي بعض الحالات، كما هو الحال بالنسبة لأقمار التجسس الصناعية، قد يستغرق سدّ الفجوة التي تركتها الولايات المتحدة عقدًا من الزمن أو أكثر.
علاوة على ذلك، فإن استبدال الردع النووي الأمريكي في أوروبا، إما عن طريق توسيع حجم ونطاق القدرات النووية البريطانية والفرنسية أو تطوير منصة جديدة، يمثل تحديًا منفصلاً وإضافيًا ذا حجم مختلف تمامًا.
أيضًا، يعتمد حلف الناتو بشكل كبير على الولايات المتحدة في التخطيط والقيادة والسيطرة، ويتولى قيادة القوات الأمريكية في أوروبا (SACEUR) ضابط أمريكي، وهو المسؤول أيضًا عن القوات الأمريكية في أوروبا.
وكل هذا يجعل هيكل قيادة حلف الناتو وخططه الدفاعية والتزاماته العسكرية أكثر بكثير من مجرد اتفاقية دفاعية، فهو آلية للتوافق العملياتي، ولا جدوى من محاولة تقليده
