أخبار دولية

طريق الحرير القطبي.. رقعة حرب تغلي تحت قمم الجليد بين أمريكا والصين

سمانيوز /متابعات /القاهرة الإخبارية – نادر عيسى

 

من فنزويلا إلى جرينلاند، ومن كندا إلى قناة بنما، سلسلة من التصريحات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، بدت في ظاهرها متفرقة، لكن في جوهرها تشير إلى خصم واحد حاضر بقوة في الحسابات الأمريكية.. الصين.

 

فيما تمضي واشنطن في محاولة كبح صعود “التنين” عبر أدوات ضغط سياسية واقتصادية، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه أمام معادلة معقدة، يحاول من خلالها الحفاظ على توازنه في مواجهة قوى دولية صاعدة، وسط مشهد جيوسياسي سريع التحول.

 

تبلغ مساحة المنطقة القطبية الشمالية نحو 27 مليون كيلومتر مربع، وتختزن احتياطيات هائلة من موارد الطاقة، تشمل الهيدروكربونات، والمعادن، والعناصر الأرضية النادرة، إلى جانب ثروات بيولوجية ضخمة، حيث تُعد مياه القطب الشمالي موطنًا لأكثر من 150 نوعًا من الأسماك ذات الأهمية الاقتصادية العالمية.

 

ومع تراجع الغطاء الجليدي بفعل التغير المناخي، أصبح الوصول إلى المحيط المتجمد الشمالي أكثر سهولة، ما فتح الباب أمام ما يُعرف بـطرق الشحن القطبية، التي باتت صالحة للملاحة لفترات أطول من العام. هذا التحول الجغرافي–المناخي أعاد رسم خريطة المنافسة الدولية، ودفع قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول أوروبية، إلى تعزيز حضورها في المنطقة للاستفادة من فرص الملاحة، والموارد، وفتح ممرات بحرية جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر الشمال.

 

وفي ظل هذه التطورات، يتجه القطب الشمالي ليكون إحدى ساحات التنافس الكبرى خلال العقد المقبل، حيث سيعتمد استقراره على قدرة الأطراف الفاعلة على إدارة الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في بيئة شديدة الحساسية لا تحتمل أخطاء تكتيكية أو سوء تقدير سياسي.

 

 

طريق الحرير القطبي

في عام 2017، أعلنت الصين طريق الحرير القطبي كجزء من مبادرة “الحزام والطريق”، وجرى النظر إلى القطب الشمالي، لا سيما الممر البحري الشمالي، باعتباره محورًا مهمًا للتعاون الصيني–الروسي.

 

وخلال الفترة من 2013 إلى 2021، شهد هذا الممر نشاطًا متصاعدًا من جانب شركة الشحن الصينية COSCO، بلغ ذروته في عام 2021 بتسيير 14 رحلة. إلا أن هذا الزخم تراجع بشكل حاد عقب اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث توقفت تمامًا الرحلات الصينية عبر الممر خلال عام 2022.

 

ورغم هذا التباطؤ، لم تتخلَّ بكين عن مصالحها في القطب الشمالي، إذ واصلت الاستثمار في مشروعات طاقة استراتيجية، أبرزها الاستثمار في واحد من أكبر مشاريع الطاقة بالمنطقة وهو مشروع يامال للغاز الطبيعي المسال، وكذلك مشروع Arctic LNG-2، حيث تمتلك الشركات الصينية حصصًا معتبرة، مدعومة بتمويل مصرفي صيني، مع حرص موسكو في الوقت ذاته على الاحتفاظ بالسيطرة على هذه المشروعات.

 

ورغم أهمية هذه الاستثمارات، فإنها تظل محدودة قياسًا بحجم مبادرة “الحزام والطريق” ككل، وتنسجم مع الاستراتيجية الصينية الأوسع الهادفة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الإنتاج المحلي.

 

ويُنظر إلى طريق الحرير القطبي باعتباره أداة استراتيجية بعيدة المدى، لا مجرد مشروع تجاري عابر، تعكس توجه الصين نحو تعددية اقتصادية مرنة. ففي الوقت الذي تميل فيه واشنطن إلى إدارة النظام الدولي بمنطق المواجهة، تراهن بكين على الاقتصاد بوصفه أداة “ناعمة” لإعادة التوازن في نظام عالمي يتجه نحو تعددية أكثر تعقيدًا.

 

 

روسيا تُعزّز تواجدها العسكري

من جانبها، تسيطر روسيا على نحو نصف المساحة اليابسة والمياه في القطب الشمالي، ما يمنحها النفوذ الأكبر بين الدول الثماني المطلة على المنطقة. وتمتلك موسكو أكثر من 40 منشأة عسكرية على طول الساحل القطبي، تشمل قواعد عسكرية، ومطارات، ومحطات رادار، وموانئ استراتيجية.

 

ويُعد القطب الشمالي ركيزة أساسية في العقيدة النووية الروسية، إذ يحتضن الأسطول الشمالي الروسي المتمركز في شبه جزيرة كولا، الذي يضم 6 من أصل 12 غواصة نووية روسية، ما يعكس الأهمية العسكرية القصوى للمنطقة في الحسابات الروسية.

 

الناتو يرفع درجة الاستعداد

في المقابل، يستعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) لاحتمالات تصعيد في القطب الشمالي، حيث أعلن الحلف إطلاق مهمة جديدة في الدائرة القطبية الشمالية لتعزيز الدفاع عن جناحه الشمالي. ويشمل ذلك نشر قوات إضافية من المملكة المتحدة بموجب اتفاق “لونا هاوس” الدفاعي، الموقّع بين لندن وأوسلو في ديسمبر 2025.

 

وينص الاتفاق على تمركز قوات الكوماندوز البريطانية، بقيادة مشاة البحرية الملكية، في النرويج على مدار العام، بعد أن كان انتشارها يقتصر سابقًا على أشهر الشتاء فقط.

 

في السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، خلال زيارة إلى أيسلندا، أن بلاده تسعى للقيام بدور أكبر في دعم الأمن العسكري في القطب الشمالي، مشددًا على أن شمال المحيط الأطلسي يمثل أهمية جيوسياسية بالغة لحلف الناتو.

 

من جهته، أوضح الأمين العام للحلف، مارك روته، أن تركيز الناتو لا يقتصر على جرينلاند وحدها، بل يمتد إلى منطقة “الشمال العالي” والقطب الشمالي بأكمله، معتبرًا أن أمن هذه المنطقة قضية جماعية تتطلب تنسيقًا وثيقًا بين جميع الحلفاء.

 

جرينلاند.. قلب الصراع الصامت

وتكتسب جرينلاند أهمية تتجاوز كونها أرضًا شاسعة قليلة السكان، إذ تمثل بوابة جيوسياسية تتيح التحكم في مسارات الحركة العسكرية والاقتصادية بين أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا.

 

وفي هذا السياق، تُدار معركة النفوذ في القطب الشمالي، ليس فقط عبر الأساطيل والقواعد العسكرية، بل أيضًا عبر التصريحات السياسية، والتحركات الاقتصادية، في صراع مرشح للتصاعد فوق جليد يذوب، وتحت تنافس دولي لا يهدأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى