حرب إيران.. هل تعيد بريطانيا إلى الحضن الأوروبي؟
جدل في المملكة المتحدة.. و4 عوامل فاعلة

سمانيوز/ متابعات /أمجد عرار
يبدو أن حرب إيران تسببت في إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية البريطانية بشكل جذري، حيث يرى مراقبون أن حدة الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن هذه الحرب باتت تمثل «القوة الدافعة» التي قد تعيد لندن إلى أحضان الاتحاد الأوروبي، ليس كشريك تجاري فحسب، بل كحليف استراتيجي لا غنى عنه، ولا سيما في ظل الصدع غير المسبوق الذي حصل بين واشنطن ولندن.
ووفقاً لتحليلات أمنية صادرة عن «المعهد الأوروبي للدراسات»، فإن تقلبات المواقف الدولية والضغوط الاقتصادية الناجمة عن تهديد ممرات الملاحة العالمية، دفعت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للحديث صراحة عن ضرورة وجود «تنسيق دفاعي أعمق» مع الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن الفوائد الأمنية للوحدة الأوروبية في ظل هذا التوتر الإقليمي أصبحت تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة لـ «بريكست».
هذا التوجه تعزز بتصريحات رسمية أكدت أن أزمات الشرق الأوسط تتطلب مظلة حماية قارية لم يعد بإمكان لندن تأمينها بمفردها في ظل انشغال واشنطن بملفاتها الداخلية.
فمن الناحية الاقتصادية، تبرز الحرب كعامل ضغط شرس، حيث تشير صحيفة «الغارديان» إلى أن الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة وضع الاقتصاد البريطاني أمام «تضخم مستورد» لا يمكن مواجهته إلا بمحاذاة القواعد التجارية الأوروبية لتخفيف وطأة الأزمة عن المواطنين البريطانيين.
هذا الواقع انعكس مباشرة على الرأي العام؛ حيث كشفت استطلاعات رأي حديثة في أبريل 2026 عن قفزة تاريخية في تأييد العودة للاتحاد، وصلت إلى 64%، مدفوعة بما وصفه خبراء الاستطلاع بـ «قلق الحرب» والرغبة في تحقيق استقرار معيشي يوفره الاندماج مع السوق الموحدة.
عوامل دافعة
وفي تحليل لمجلة «مودرن دبلوماسي» نشره موقع «بوابة أخبار اليوم» المصري، يعزو ريتشارد كوربيت العضو السابق في البرلمان الأوروبي عن حزب العمال، توقعات العودة البريطانية للاتحاد لعدد من الأسباب:
أولاً الاقتصاد
يقول كوربيت إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان أكثر تكلفة مما كان متوقعاً، مشيراً إلى تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية قبل عامين، بأن اقتصاد بريطانيا أصبح أقل بنحو 4٪ مما لو بقيت عضواً في الاتحاد الأوروبي.
وتشير أحدث إحصائيات عدد من المؤسسات الأكاديمية والمستقلة -وفق كوربيت- إلى أن النسبة أعلى من ذلك، إذ ذكرت وزيرة الخزانة راشيل ريفز الشهر الماضي بارتفاعها لنحو 8%..
السوق الموحدة
وفي إطار سعي الحكومة البريطانية إلى تخفيف الأضرار تقول المجلة، أن السلطات بدأت تتوافق مع معايير السوق الموحدة للاتحاد بمختلف القطاعات، بهدف تبسيط الإجراءات البيروقراطية والوثائق وعمليات التفتيش على الحدود.
وقد بدأت الحكومة بقطاعي الزراعة والطاقة، على أمل التوسع إلى قطاعات أخرى كالصناعات الكيميائية والصيدلانية.
وهذا أمر منطقي، ولكنه بطيء، ولن يُحدث تغييراً ملموسًا في الوضع الاقتصادي لسنوات، وإذا ما نجحت، فستُجبر بريطانيا على التوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي التي لا تملك فيها أي رأي عندما يرغب الاتحاد في تغييرها، ما سيحول المملكة المتحدة فعليًا إلى عضو غير مُصوّت في الاتحاد الأوروبي.
يتابع كرونيت الأسباب التي قد تدفع بريطانيا للانضمام، أن ما بين الاختلاف مع روسيا والولايات المتحدة، تتلاقي المصالح البريطانية مع جيرانها، وأن ما يسمي بـ «العلاقة الخاصة» مع الولايات المتحدة في ظل قيادة ترامب، لم تعد موجودة، الأمر الذي دعا عدد من الدول للدخول تحت مظلة الاتحاد مثل، أيسلندا التي تجري استفتاءً في أغسطس القادم بشأن طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي النرويج، بدأ نقاش حول الانضمام بالإضافة إلى رغبة دول البلقان ومولودوفا في الانضمام كذلك، فضلاً عن محاولات أوكرانيا، ما يجعل بريطانيا شبه معزولة وضعيفة التأثير على الساحة الدولية.، حسب كرونيت.
وبحسب تقديرات استطلاعات الرأي، يشير السبب الثالث، إلى أن 64% ممن شملهم الاستطلاع بتصويتهم لصالح العودة، لافتاً إلى عامل الديموغرافيا، حيث كان التركيب العمري للناخبين عام 2016 يُشير إلى أنه بعد عشر سنوات، حتى لو لم يُغير أحد رأيه، لكانت هناك أغلبية مؤيدة لعضوية الاتحاد الأوروبي.
كما أن من صوتوا بالخروج أدركوا التنصل لما وعِدوا به؛ من الانتقال السهل، وتوفير الكثير من المال «الذي سيُخصص بالكامل لهيئة الخدمات الصحية الوطنية»، والحفاظ على الوصول إلى أوروبا مع تأمين اتفاقيات تجارية جديدة رائعة في جميع أنحاء العالم. كلها وعود لم يتحقق منها شيء.
ولذلك، غيّر عدد كبير من مؤيدي الخروج رأيهم، وبخاصة من كانوا يعملون في قطاع تأثر بشكل خاص، أو من تأثروا من الصعوبات التي فرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
رابعاً: إشارات إيجابية من أوروبا
يلفت كرونيت إلى أنه، بينما يدعى البعض أن الاتحاد الأوروبي لا يرغب في عودة بريطانيا، يشير عدد من التوقعات إلى أنها ستكون موضع ترحيب. فقد صرح رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك لكير ستارمر يناير الماضي بأنه «يحلم بالعودة».
وقال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، في محاضرته في تشاتام هاوس الشهر الماضي، إن «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان خطأً فادحاً، ويجب على المملكة المتحدة الانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي».
كما صرح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أنه يرغب بشدة في عودة المملكة المتحدة قائلاً:«أعتقد أن المجتمعات قد ترتكب أخطاء لكنها قادرة على تصحيحها».
أما على الجانب البريطاني، فكانت هناك تصريحات إيجابية من مسئولين بريطانيين، مثل عمدة لندن صادق خان، الذي قال إن «الانضمام مجدداً إلى الاتحاد الأوروبي يصب الآن بوضوح في مصلحتنا الوطنية».
في المقابل، يبرز تيار معارض شرس يقوده نايغل فاراج وأقطاب من حزب المحافظين.
ويرى هؤلاء أن استغلال ظروف الحرب للترويج للعودة يمثل «التفافاً» على الإرادة الشعبية، محذرين من أن الاتحاد الأوروبي نفسه يعاني من تراجعات اقتصادية، وأن السيادة البريطانية يجب ألا تُقايض تحت وطأة الأزمات العابرة.
ومع ذلك، يجمع المحللون على أنه سواء حدثت عودة رسمية كاملة أو لم تحدث، فإن حرب إيران قد نجحت بالفعل في كسر الجمود، دافعةً بريطانيا نحو اندماج تدريجي يبدأ باتفاقيات دفاعية شاملة وقد ينتهي بالعودة للاتحاد الجمركي كضرورة ملحة للبقاء في عالم مضطرب.
