أخبار عربية

أجنة في عتمة الزنازين.. معاناة أسيرات فلسطينيات “حوامل” في سجون الاحتلال الإسرائيلي

سمانيوز /القاهرة الإخبارية – ولاء السلامين 

 

في الوقت الذي تستقبل فيه معظم الأمهات أشهر الحمل بالاطمئنان والرعاية الطبية، تخوض أسيرات فلسطينيات تجربة مغايرة تمامًا، يتحول فيها الحمل داخل السجون الإسرائيلية إلى رحلة يومية من الألم والخوف والحرمان، فلا تقتصر المعاناة على فقدان الحرية، بل تمتد إلى غياب الرعاية الصحية، وسوء التغذية، والعزل عن العائلة، والقلق الدائم على مصير أجنة يكبرون في أرحام أمهاتهم خلف الجدران.

مطرقة النزيف وسندان الإهمال

تواجه الأسيرة أمينة الطويل، وهي أم لأربعة أطفال، ظروفًا صحية بالغة الخطورة، إذ اعتُقِلت في الثامن عشر من مارس الماضي وهي في شهرها الأول من الحمل، واليوم تدخل شهرها الرابع وسط بيئة تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية.

تروي عائلتها أن عملية اعتقالها كانت عنيفة للغاية، حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزلها في الليلة الأخيرة من شهر رمضان المبارك وعشية عيد الفطر، ووسط الصراخ والتهديد، كبل الجنود يديها أمام أطفالها الأربعة “إيلياء، وآيسل، والبراء، وأبرار”، ليتم نقلها مباشرة إلى مركز تحقيق “الجلمة”، حيث أمضت 25 يومًا في زنازين قاسية تحت الأرض، تسببت في فقدانها الوعي لمرات عدة.

وتعاني أمينة من أمراض في الأوعية الدموية، وكانت خضعت لعملية جراحية قبيل اعتقالها وبحاجة ماسة لاستكمال العلاج الذي توقف تمامًا.

وتكشف العائلة أنها تعرضت قبل نحو شهر لنزيف حاد إثر اقتحام قوات الاحتلال للسجن باستخدام القنابل الصوتية، ونُقِلت إلى المستشفى بشكل خاطف قبل إعادتها مجددًا للزنزانة، حيث لا تزال محرومة من الغذاء المناسب والدواء.

ولا تتوقف المعاناة هنا، فزوجها الذي أمضى 19 عامًا في سجون الاحتلال، يعيش ظروفًا اقتصادية واجتماعية قاسية بعد انقطاع مصدر دخله، محاولًا وحده رعاية أطفاله الأربعة الذين يعيشون صدمة غياب والدتهم، وتحولت مناسباتهم إلى جراح جديدة، كان آخرها عيد ميلاد طفلتيها إيلياء وآيسل اللتين احتفلتا به للمرة الأولى بعيدًا عن حضن أمهما.

أمينة الطويل
حمل في عتمة الاعتقال الإداري

وفي مسار آخر من الوجع، اعتقلت قوات الاحتلال في التاسع عشر من أبريل الماضي، الأسيرة دانا عناد سبتي جودة من مدينة نابلس، وهي في شهرها الثاني من الحمل، لتبلغ اليوم شهرها الخامس خلف القضبان.

بدأت رحلة اعتقال دانا بتهديدات وابتزاز نفسي طالها وطال ابنها الوحيد (عمرو 15 عامًا)، إلى جانب توجيه ألفاظ مهينة لها خلال جولات التحقيق.

وتشير عائلتها إلى أنها تعاني حاليًا من أوضاع صحية ونفسية متدهورة، وسط مخاوف حقيقية على سلامة الجنين جراء انعدام المتابعة الطبية المتخصصة.

وكانت اللحظة الأكثر قسوة على العائلة عندما صدر بحقها أمر بالاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر، في الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه الإفراج عنها عقب انتهاء التحقيق، لتبدد هذه الخطوة آمال الحرية القريبة وتحولها إلى انتظار طويل ومرير في ظروف اعتقال قاسية.

دانا جودة
جوع يهدد الجنين

ومن محافظة رام الله والبيرة، تقبع الأسيرة منار إبراهيم كمال إبراهيم في السجون منذ الثلاثين من أبريل الماضي وهي حامل، تاركة خلفها طفلين ينتظران عودتها.

ويروي زوجها مصعب زلوم أن جيش الاحتلال اقتحم المنزل بعنف وتكسير للأبواب، ما بثَّ الرعب في نفوس العائلة، مؤكدًا أن التواصل معها منقطع تمامًا ولا يتم إلا عبر المحامي.

ويشير زلوم إلى أن منار تخضع لمتابعة طبية عامة فقط دون رعاية متخصصة بالنساء الحوامل، وتحصل على بعض الفيتامينات الأساسية، غير أن كميات الطعام المقدمة لها شحيحة جدًا، حتى بات الجوع جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية للأسيرات.

وخلال الشهر ونصف الشهر الأول من اعتقالها، اضطرت منار للنوم على الأرض بسبب الاكتظاظ الشديد في السجن وعدم توفر سرير لها رغم حالة الحمل، قبل أن تُنقَل لاحقًا لإجراء بعض الفحوصات الدورية.

هذا الاعتقال دفع الزوج للانتقال مع طفليه للعيش في منزل عائلته وتفكيك أسرته، حيث يعيش الصغيران حالة اشتياق دائم ويسألان باستمرار عن والدتهما دون إجابات تخفف من وطأة الغياب.

منار إبراهيم
ظروف مأساوية

من جهتها، تؤكد رئيسة قسم المعلومات والتوثيق في “نادي الأسير” الفلسطيني آية شريتح، أن الأسيرات وخصوصًا الحوامل منهن يعشن أوضاعًا مأساوية داخل سجن “الدامون”، حيث يخضعن لعزل شبه كامل، ويُحرمَن من زيارة ذويهن أو لجان اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فضلًا عن تعرضهن لسياسات تنكيل متواصلة تشمل القمع، والتفتيش المهين، وسوء المعاملة المستمر.

وتوضح “شريتح” أن المحامين يشكلون حاليًا نافذة التواصل الوحيدة مع الأسيرات عبر الزيارات الدورية، في حين تعتمد المؤسسات الحقوقية على شهادات الأسيرات المحررات لرصد حجم الانتهاكات.

وتحذر من أن الأوضاع الصحية للحوامل تشهد تدهورًا مستمرًا نتيجة سوء التغذية، والهزال، ونقص الوزن، والإجهاد الجسدي والنفسي، غياب الرعاية الطبية المتخصصة، ما يجعل الحمل داخل المعتقل مغامرة محفوفة بالمخاطر على حياة الأمهات والأجنة.

وتجدد مؤسسات الأسرى تحذيراتها بأن استمرار احتجاز النساء الحوامل في هذه البيئة التي تفتقر لأبسط مقومات الرعاية الإنسانية والصحية يشكل تهديدًا حقيقيًا وخطرًا داهمًا، وسط مطالب حقوقية دولية بضرورة التدخل لتوفير الحماية لهن وضمان حقوقهن وفقًا لأحكام القانون الدولي الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى