124 تريليون دولار.. جيل الألفية يغير قواعد “إمبراطوريات الثراء”!

سمانيوز/ متابعات /رشا عبد المنعم
نقف اليوم أمام أعظم عملية “إعادة توزيع” للثروة في التاريخ الحديث؛ حيث يُتوقع أن تنتقل ملكية أصول تقدر بنحو 124 تريليون دولار إلى ورثة جيل الألفية والجيل X بحلول عام 2048.
هذا “التسونامي المالي” ليس مجرد أرقام في حسابات مصرفية، بل هو محرك اقتصادي اجتماعي قادم، يضع مليارات الدولارات تحت تصرف جيل لم يعد يقبل بالتقاليد البيروقراطية للعمل الخيري، بل يطالب بتغيير جذري في طريقة توظيف الأموال لتكون أكثر إنسانية وأسرع أثراً.
بينما يرى البعض في هذه الثروات إرثاً للحفاظ عليه، يراها جيل الألفية “فرصة أخيرة” لإنقاذ كوكب يواجه أزمات وجودية. ومع صعود ثروات المليارديرات بنسبة قياسية بلغت 16% في عام واحد فقط، لتصل إلى 18.3 تريليون دولار، أصبح التساؤل ملحاً: كيف سيحول هذا الجيل “أرقام الثراء” إلى “حلول ملموسة”؟
وما هي الاستراتيجيات الجديدة التي ستجبر عمالقة المال على التخلي عن حذرهم والمشاركة في إعادة كتابة قواعد اللعبة قبل فوات الأوان؟
يواجه أبناء جيل الألفية والجيل X هذه المهمة التاريخية، في الوقت الذي تصل فيه عدم المساواة في الثروة إلى مستويات متطرفة جديدة، أدى هذا الانتقال إلى تضخيم التساؤلات حول ما إذا كانت العائلات الثرية تتحرك بالسرعة الكافية في وعودها بتقديم عطاءات ذات أثر ملموس.
سقف التوقعات
وفقاً لتقرير “معهد ميلكن” الصادر عام 2026 بعنوان “نقل الثروة العظيم: إعادة تعريف العمل الخيري في القرن الحادي والعشرين”، فإن هذا التوتر يمهد الطريق لـ “مرحلة حساب” في هذا القطاع مع اكتساب الأجيال الشابة مزيداً من النفوذ على الموارد المالية للعائلات.
تقول ميليسا ستيفنز، نائب الرئيس التنفيذي لمبادرة “العمل الخيري الاستراتيجي” في معهد ميلكن والمشاركة في إعداد التقرير: “لم تكن الفوارق في الثروة أكبر مما هي عليه الآن، ولدينا هذه الرؤية الأكثر حدة تجاه الأثرياء؛ مما رفع من سقف التوقعات والمخاطر”.
لعقود من الزمن، تمحور العمل الخيري حول بناء الإرث والعطاء طويل الأمد، وقد التزمت بعض أغنى عائلات العالم بالفعل بالتنازل عن جزء كبير من ثرواتها من خلال مبادرات مثل “تعهد العطاء” (Giving Pledge)، الذي أطلقه وارن بافيت وبيل جيتس وميليندا فرينش جيتس في عام 2010. ولكن مع تكثيف التدقيق على الثروات الطائلة، أدرك العديد من الورثة الأصغر سناً أن التزامات عائلاتهم لم تكن تتحرك بالسرعة الكافية دائماً.
إلى جانب ذلك، يشير تقرير “مورغان ستانلي” لعام 2025 إلى أن أكثر من 80% من المستثمرين من جيل الألفية يعبرون عن اهتمامهم بالاستثمار في الشركات التي تلتزم بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)، مما يغير طبيعة التوقعات التي يحملونها تجاه ثروات عائلاتهم.
ثورة العطاء
قالت كاثرين لورينز، قائدة مجموعة “الجيل القادم” التابعة لمبادرة “تعهد العطاء” – وهي شبكة من الورثة وأفراد العائلات المشاركين في تشكيل الاستراتيجية الخيرية – إنها بدأت ترى هذا التحول يتجذر بالفعل.
فبدلاً من انتظار عقود حتى يتم توزيع الثروة، يحث العديد من أبناء وأحفاد العائلات الثرية الأجيال الأكبر سناً على التحرك بشكل أسرع، وتحمل المزيد من المخاطر، ووضع المزيد من الثقة في المجتمعات التي يأملون في مساعدتها.
وأضافت لورينز”أرى المزيد من أفراد الجيل الشاب يضغطون على آبائهم لتقديم المزيد. إنهم يقولون: لقد كسبتم ما يكفي من المال يا أمي وأبي، حان الوقت لمنحه، ومنحه بشكل أسرع”، “الكثير منهم مستعدون لنشر رأس المال بشكل أسرع، وأحياناً تكون العوائق هي الجيل الأكبر سناً”.
شهدت ثروة أغنى 1% من السكان ارتفاعاً تاريخياً على مدى السنوات القليلة الماضية. ووفقاً لتقرير “أوكسفام” السنوي لعام 2026، قفزت ثروة المليارديرات بأكثر من 16% في العام الماضي وحده، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 18.3 تريليون دولار. وقد أدى ذلك فقط إلى تأجيج مشاعر الغضب – خاصة بين الشباب.
ويعتقد ما يقرب من ثلث البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً أنه من الخطأ أخلاقياً أن يكون المرء “ثرياً للغاية”، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز “بيو” في عام 2026، مقارنة بـ 10% فقط من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر.
مستثمرين ملائكيين
بينما قد يعكس هذا الانقسام بعض الحقائق الاقتصادية التي يواجهها الأمريكيون الأصغر سناً – من ارتفاع تكاليف السكن إلى ديون الطلاب وتزايد تكلفة الضروريات اليومية – فقد شكل أيضاً الطريقة التي ينظر بها العديد من الورثة إلى مسؤوليتهم في استخدام الثروة بشكل أكثر إلحاحاً واستراتيجية.
قالت ستيفنز: “إنهم لا يفكرون بالضرورة في أنفسهم كفاعلي خير تقليديين، بل يفكرون في أنفسهم كمستثمرين ملائكيين، ومستثمرين في الأثر، وصُنّاع تغيير، ومدافعين عن قضايا”.
وبدلاً من مجرد تحرير الشيكات للفائزين بالمنح، يركز الجيل الشاب بشكل متزايد على تمويل التغيير المنهجي من خلال الاستثمار المؤثر، والمناصرة، والعمل الخيري بأسلوب الشركات الناشئة.
ويمنح الكثير منهم الأولوية لقضايا مثل تغير المناخ، والعدالة العرقية، والمساواة بين الجنسين، مقارنة بتركيز الأجيال الأخرى الأوسع على موضوعات مثل الصحة والتعليم.
كما أشارت لورينز إلى وجود اهتمام متزايد بمعالجة الأنظمة التي تسببت في الضرر، بدلاً من مجرد وضع “ضمادات على جرح نازف”.
واستخدمت قضايا الإسكان كمثال؛ فبينما من المهم الاهتمام بما إذا كان بإمكانك مساعدة الناس على عدم النوم في الشارع الليلة، فمن المهم بنفس القدر طرح أسئلة مثل: “لماذا لدينا هذا العدد الكبير من المشردين؟ ماذا يحدث، وكيف نقلل من عدد الأشخاص في هذا الوضع؟”.
إرث مستدام
أحد أبرز الأمثلة على تغير ديناميكيات العمل الخيري هو ماكنزي سكوت. فقد وزعت الزوجة السابقة لمؤسس أمازون، جيف بيزوس، البالغة من العمر 56 عاماً، حوالي 26 مليار دولار على مدى السنوات الست الماضية، معظمها في منح غير مقيدة، مما يسمح للمتلقين – مثل كليات وجامعات السود التاريخية، ومجموعات التنوع والمساواة والشمول، وإغاثة الكوارث – بتحديد كيفية استخدام الأموال بأفضل طريقة ممكنة.
قالت ستيفنز: “إنها مثال يحتذى به للعمل الخيري القائم على الثقة. إنها تميل حقاً نحو تلك الشراكة مع المجتمع من حيث التعلم منهم، والاستماع إليهم، والابتكار معهم، بدلاً من القدوم بحلول محددة مسبقاً”.
ومن المتوقع أن تلعب النساء، على وجه الخصوص، دوراً مؤثراً بشكل متزايد في التحول الخيري. فبحلول عام 2048، من المتوقع أن يرثن ما يقرب من 47 تريليون دولار، أي حوالي 56% من إجمالي الثروة الموروثة عالمياً. وتتوقع ستيفنز أن تحذو المزيد منهن حذو سكوت، والعمل مع المجتمعات لتحقيق أثر قائم على الحلول من خلال عطائهن.
تتفهم لورينز التوتر المتزايد بشكل شخصي، فقد نشأت في عائلة ذات صافي ثروة مرتفع للغاية؛ فجدها، جورج ميتشل، كان قطباً في مجال النفط والعقارات.
كانت شركته “ميتشل إنرجي آند ديفيلوبمنت” تحتل المرتبة 811 في قائمة “فورتشن 1000” في عام 2001، وفي العام نفسه، اشترتها شركة “ديفون إنرجي” مقابل 3.1 مليار دولار.
تقديم المنح
منذ سن مبكرة، انجذبت لورينز إلى سؤال كيفية توظيف الثروة. وبعد تخرجها من كلية ديفيدسون في كارولينا الشمالية عام 2001، قضت وقتاً في نيكاراجوا ثم في أواكساكا بالمكسيك، حيث بقيت لمدة ست سنوات تقريباً وبدأت مؤسسة غير ربحية تخدم مجتمعات السكان الأصليين الريفية. وتقول إنها في الخارج واجهت مفارقة مركزية في العمل الخيري العالمي: الافتراض بأن الثروة والخبرة تترجمان بشكل طبيعي إلى حلول.
قالت لورينز، البالغة من العمر الآن 47 عاماً: “تعتقد أن لديك الإجابة، وتدخل إلى المجتمعات لتدرك في الواقع أن لديهم إجابات أكثر مما لديك. تتعلم منهم أكثر مما يتعلمون منك.
مررت بسنوات عديدة من تلك التجربة الكاشفة، حيث اعتقدت أنني قادمة للمساعدة، لكنني في الواقع لم أكن أضيف الكثير على الإطلاق”.
بحلول سن 25، بدأت العمل في مؤسسة عائلتها “مؤسسة سينثيا وجورج ميتشل”، حيث بدأت في تطبيق تلك الدروس؛ تبسيط عمليات تقديم المنح، ونقل المزيد من سلطة اتخاذ القرار إلى المجتمعات المحلية. بعد أن وقع جدها على “تعهد العطاء” في عام 2010، تولت لورينز دفة المؤسسة في العام التالي. ثم في عام 2013، توفي تاركاً وراءه 10 أطفال، و27 حفيداً، وإرثاً خيرياً أصبح إدارته أكثر تعقيداً بكثير.
قالت لورينز: “لا يهم مدى احترافيتك، أو عدد السياسات التي تضعها، أو عدد الهياكل الموجودة. في النهاية، أود أن أقول إن ديناميكيات العائلة تتفوق على كل شيء، سواء بطرق جيدة أو سيئة”.
في المجموع، وخلال ما يقرب من خمسة عقود من عمر المؤسسة، تبرعت بنحو مليار دولار لقضايا تدور معظمها حول الاستدامة – بما في ذلك الأراضي والمياه والطاقة – بالإضافة إلى التعليم. بالنسبة للورينز، فإن العمل يتعلق بالحفاظ على إرث جدها بقدر ما يتعلق بتسريعه، وهي عقلية تأمل أن يشاركها فيها المزيد من الورثة.
