300 مليار دولار.. لماذا يتجه عمالقة الذكاء الاصطناعي إلى الأعمال الخيرية؟

سمانيوز/ متابعات /وائل زكير
تتجه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى تخصيص مئات المليارات من الدولارات للأعمال الخيرية، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تقاسم جزء من الثروة التي يُتوقع أن تولدها هذه التقنية، والتخفيف من تداعياتها المحتملة على المجتمع والاقتصاد. وتأتي هذه التعهدات في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يهدد ملايين الوظائف، ويعمّق الفجوة الاقتصادية، ويطرح تحديات جديدة تتعلق بالأمن القومي وسلامة المجتمعات.
وتثير هذه التحركات تساؤلات حول دوافع شركات التكنولوجيا الكبرى، التي تسعى إلى تحقيق مكاسب مالية ضخمة من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بينما تحذر في الوقت نفسه من التحولات العميقة التي قد تفرضها ابتكاراتها على سوق العمل وأنماط الحياة. وبين التعهدات بتوزيع الثروة وتمويل المبادرات الإنسانية والاقتصادية، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الأموال محاولة جادة لضمان استفادة المجتمع من ثمار الذكاء الاصطناعي، أم أنها لا تتجاوز خطوة أولى في مواجهة تداعيات قد تكون أكبر من قدرة الأعمال الخيرية وحدها على احتوائها؟
«أنثروبيك» تخصص 5% من أسهمها
أعلنت شركة «أنثروبيك»، المطورة للمساعد الذكي Claude، تخصيص 5% من أسهمها لصندوق جديد يهدف إلى خدمة المصلحة العامة. ويمكن أن تُستخدم أمواله لمعالجة آثار الذكاء الاصطناعي في العاملين، بما في ذلك تقديم مدفوعات لفئات سكانية محددة.
وإذا بلغت القيمة السوقية للشركة تريليوني دولار عند طرح أسهمها للاكتتاب العام، فقد تصل قيمة الصندوق إلى 100 مليار دولار. كما تعهد مؤسسو الشركة السبعة بالتبرع بـ80% من ثرواتهم الشخصية للأعمال الخيرية.
إيلون ماسك
وفي خطوة منفصلة، أعلن إيلون ماسك أنه سيمنح سهما من شركة SpaceX لكل طفل في الولايات المتحدة خلال العام المقبل، مع تعهده بتقديم المزيد مستقبلاً. وبحسب سعر السهم ، قد تتجاوز قيمة هذه المساهمة 11 مليار دولار.
300 مليار دولار
وعند احتساب هذه التعهدات إلى جانب المؤسسة الخيرية التابعة لشركة OpenAI، التي تمتلك نحو ربع الشركة، قد يصل إجمالي الأموال المخصصة للأعمال الخيرية إلى قرابة 300 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف أصول مؤسسة غيتس التي يديرها بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت.
نفوذ يتجاوز قطاع التكنولوجيا
قد تمنح هذه التعهدات شركات الذكاء الاصطناعي نفوذا يتجاوز أنشطتها التجارية، على غرار التأثير الذي أحدثه مليارديرات مثل بيل غيتس وجورج سوروس والأخوين تشارلز وديفيد كوخ في مجالات الصحة العالمية والمناخ والسياسة الأمريكية.
وأكدت «أنثروبيك» أن صندوقها لن يقدم تبرعات سياسية، فيما لا يُسمح للمؤسسة غير الربحية التابعة لـ«أوبن أيه آي» بتقديم هذا النوع من التبرعات وفق وضعها القانوني.
وسبق للشركتين دعم مشروعات تسعى إلى تطوير علاجات لأمراض الجهاز التنفسي ومرض ألزهايمر، لكنهما لم تكشفا بعد عن خطط تفصيلية لكيفية إنفاق الأموال الضخمة التي تعهدتا بتخصيصها.
وتبحث الشركتان إمكانية استخدام هذه الموارد للحد من عدم المساواة الاقتصادية التي قد يتسبب فيها الذكاء الاصطناعي، أو لتوزيع الثروة الناتجة عنه على نطاق أوسع.
وحددت شركة «أوبن أيه آي» تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والاقتصاد ضمن أولوياتها، وخصصت 250 مليون دولار في مايو لدراسة هذه التأثيرات. كما سبق أن خصصت Anthropic مبلغ 200 مليون دولار لتمويل أبحاث اقتصادية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وقالت إن صندوقها الجديد سيتبنى أساليب أكثر جرأة لمعالجة هذه القضية.
هل تكفي التبرعات لمعالجة الأزمة؟
وفي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، يرى أرفيند نارايانان، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة برينستون، أن هذه المبادرات تكشف الفجوة بين نظرة قادة الصناعة إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي وتصورات الناس العاديين. وأشار إلى أن استطلاعات الرأي تظهر رغبة الأمريكيين في الحصول على عمل حقيقي، وليس مجرد الاعتماد على المساعدات المالية.
من جانبه، قال متحدث باسم مؤسسة «أوبن أيه آي» إن مهمتها تتمثل في إفادة الناس من الذكاء الاصطناعي ومساعدة المجتمع على الاستعداد للتحديات الجديدة ومواجهتها. وأضاف أن المؤسسة وزعت 855 مليون دولار منذ مارس 2026، فيما قالت الشركة في فبراير إن حصتها في المؤسسة كانت تساوي أكثر من 180 مليار دولار.
لكن سام مانينغ، الباحث في معهد GovAI المتخصص في حوكمة الذكاء الاصطناعي، يرى أن الشركات وحدها لن تتمكن من احتواء الاضطرابات الناجمة عن تقنياتها. وأوضح أن الحل يتطلب سياسات حكومية على المستويين الاتحادي والولائي، وهي مشكلات لا يمكن حلها بمجرد تقديم التبرعات.
وأضاف أن فقدان الوظائف لا يعني خسارة الدخل فقط؛ فقد يفقد العاملون أيضا إحساسهم بالهوية عندما تتغير مساراتهم المهنية بصورة جذرية.
وانتقد بعض المعارضين لصناعة الذكاء الاصطناعي التعهدات الخيرية، معتبرين أنها قد تكون وسيلة لتحسين صورة الشركات وكسب تأييد الجمهور لتقنيات تثير مخاوف واسعة.
وأظهر استطلاع أجرته واشنطن بوست بالتعاون مع ABC News وIpsos أن غالبية الأمريكيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيدمر كثيرا من الوظائف، وأن تأثيره في المجتمع سلبي.
في المقابل، قالت لينسي ماكغوي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة إسيكس البريطانية، إن توزيع الأسهم قد يمثل فرصة حقيقية للأشخاص الذين يعانون الضغوط الاقتصادية، داعية إلى الاستفادة من هذه المبادرات لإعادة توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة.
وحذر جين سبيرلينغ، الاقتصادي الذي أشرف على خطة الإغاثة الأمريكية من جائحة كورونا بقيمة 1.9 تريليون دولار، من أن منح الأسهم لا يعني حصول المستفيدين على أموال قابلة للاستخدام فورًا؛ إذ يتعين بيع الأسهم لتحقيق عائد مالي. كما قد تؤدي هذه الهبات إلى كسب دعم الجمهور للشركات، بما قد يضعف فرص فرض تنظيمات ضرورية على أنشطتها.
ومع ذلك، يرى برايان غالي، أستاذ القانون بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن هذه الأموال قد تحقق تأثيرا إيجابيا كبيرا إذا أُنفقت بصورة مدروسة ومركزة. واستشهد بتجربة مؤسسة فورد التي ساهم تمويلها للأبحاث الزراعية خلال ستينيات القرن الماضي في تطوير محاصيل أكثر إنتاجية، ما ساعد على الحد من المجاعة على المدى الطويل.
وأشار إلى أن شركات الذكاء الاصطناعي تستطيع تحقيق نتائج مماثلة إذا ركزت مواردها على مشكلات محددة، بما في ذلك سد بعض الفجوات الإنسانية التي خلفها تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عهد إدارة ترامب.
وبذلك، تفتح التعهدات المالية الضخمة الباب أمام إمكانية إحداث تغييرات واسعة في العالم، لكن أثرها الفعلي سيعتمد على كيفية إدارة الأموال، والجهات المستفيدة منها، ومدى تكامل العمل الخيري مع السياسات الحكومية والتنظيمات اللازمة لمواجهة تداعيات الذكاء الاصطناعي.
