معوّقات تمكين الإعلاميات في العاصمة عدن والجنوب

سمانيوز-شقائق/تقرير
للعاصمة الجنوبية عدن خصوصاً والجنوب عموماً تاريخ عريق في ريادة الصحافة النسوية ، فقد احتضنت مدينة عدن صدور أول صحيفة نسائية تخصصية تعرفها اليمن والجزيرة العربية والمغرب العربي ، عام 1960 وهي صحيفة (فتاة شمسان) التي ترأست تحريرها الراحلة ماهية نجيب، فيما سبق ذلك انخراط النساء في العمل الإعلامي منذ الأربعينيات، والذي فتح المجال له صدور صحيفة (فتاة الجزيرة) عام 1939 التي شهدت صفحاتها مناقشات ساخنة في العديد من قضايا المرأة آنذاك.
مساندة :
لقد ساندت صحيفة (فتاة الجزيرة) قضايا المرأة في العاصمة عدن ، وطالبت بحقوقها (التعليم ومنع الزواج المبكر وحقها في العمل والمشاركة السياسية)، وبالمقابل كانت هناك صحف رفضت هذا الرأي وطالبت ببقاء الفتاة في المنزل وتعلم أمور المطبخ كصحيفة (الذكرى) لصاحبها ورئيس تحريرها الشيخ علي محمد باحميش ، الصادرة عام 1948م ، واستمرت المناظرات الكلامية بين الصحف المساندة لقضايا المرأة العدنية ممثلة بالتيار التقدمي والصحف المعارضة لتحرير المرأة ممثلة بالتيار المتشدد ورجال الدين.
في تلك المرحلة كانت جميع المطالبات بحقوق المرأة تتم عن طريق رجال متعاطفين معها ، أما المرحلة الثانية فهي بداية قيام المرأة العدنية بالتعبير عن نفسها وإنما بأسماء مستعارة كاستخدامهن أسماء.:
(بنت البلد – المحجبة – النملة – فتاة الجنوب – أم البنات) بالإضافة إلى استعمالهن أسماء ذكورية حتى يتفادين الدخول في مشاكل مع التيار المتشدد في عدن ، حيث اتخذت النساء في عدن من هذه الأسماء طريقة مثلى في التعبير عن آرائهن والدفاع عن قضاياهن بأنفسهن وكتبن العديد من المقالات والقصص والأشعار ، كما تولت النساء في هذه المرحلة مهمة الا
الإشراف وإعداد صفحة المرأة في بعض الصحف مثل : السيدة ماهية محمد جرجرة ــ الشهيرة بماهية نجيب ــ التي تولت الإعداد والإشراف على صفحة المرأة (ركن المرأة) في صحيفة (اليقظة) ــ صدرت في يناير عام 1956م ، وكانت تكتب تحت اسم مستعار هو بنت البلد) حتى لا يعرفها أحد.
وخطوة بخطوة كان اقتحام النساء للصحافة من أوسع أبوابها ، بعد أن ظهرت صحيفة نسائية تُعنى بشؤون المرأة والأسرة في عدن ألا وهي صحيفة (فتاة شمسان).
وقبل صدور الصحيفة شاع في أوساط المجتمع العدني أن امرأة تريد إصدار مجلة نسائية، فتحول الخبر إلى حديث الناس في المجالس ومحور نقاشاتهم ، وانقسم الناس ما بين مؤيد ومعارض ، حتى وصل الأمر إلى المساجد ، ومن منبر مسجد “العيدروس”، في حي “كريتر”، وفي خطبة الجمعة حذر الخطيب محمد سالم باحميش من خطورة وجود امرأة صحافية ، واعتبر ذلك خروجاً عن الدين ، وعن تقاليد المجتمع ، وعبر عن استنكاره لمنح ماهية نجيب تصريحاً بإصدار مجلة نسائية ، وختم الخطبة بتكفيرها ، واتهامها بالإلحاد.!
وكان والدها أيضاً من المعارضين لها في إصدار مجلة نسائية ، خوفاً عليها من نظرة المجتمع التي لا ترحم.
ومنذ صدور مجلة (فتاة شمسان) عام 1960م حتى توقفها عام 1966م ، وضعت قضية تعليم الفتاة العدنية والجنوبية في أولويات مهامها بل اعتبرتها من القضايا التي لا يمكن إسقاطها ، فعندما صدر العدد الأول من مجلة (فتاة شمسان) النسائية بتاريخ 1 يناير 1960م كان المستوى التعليمي والثقافي عند العديد من نساء عدن ، قد وصل إلى مرحلة من التعرف على الثقافة العربية والغربية وبالذات الإنجليزية.
واليوم بعد أعوام من ذلك المجد التليد ، نجد مكانة المرأة في الإعلام المحلي ليست بمستوى الامتداد الطبيعي في مدينة شهدت صدور أول صحيفة نسوية قبل سبعين عاما، وإن وجدت مذيعات في الإذاعات وقنوات التلفزة المحلية ، أو محررات في الصحف الورقية ، فحتى الآن لا تزال المرأة بعيدة عن تمكينها كقيادية في المؤسسات الإعلامية ، ولا زال طريقها إلى حقل الإعلام محفوفاً بالصعوبات والعراقيل.
معوقات تمكين المرأة في الإعلام :
يقتصر عمل النساء في وسائل الإعلام في بلادنا على أدوار هامشية ، فيما يبقى الذكور مسيطرين على المشهد الإعلامي سواء كإدارة إشرافية أو تنفيذية ، ورغم أن عدد الخريجين سنوياً من قسم الإعلام بجامعة عدن من النساء أكثر منه من الذكور ، فإن غالبيتهن يتجهن بعد تخرجهن إلى أعمال أخرى بعد أن يكتشفن أن الواقع في وسائل الإعلام المحلية لا يتسع لهن ولا يرحب بهن.
وحتى وإن شبت أي امرأة عن الطوق ، وحاولت التقدم بخطى ثابتة في الحقل الإعلامي ، فإن ألغاماً معنوية مختلفة تنفجر بوجهها لكي ترغمها على العودة إلى الخلف.
وفيما يلي ممكن أن نستعرض أبرز المعوقات التي تقف بين المرأة وبين تمكينها في وسائل الإعلام المحلية :
_غياب الاهتمام بجانب التدريب والتأهيل للصحفيات، فالمعروف أن مخرجات قسم الإعلام بجامعة عدن في مجملها نظرية ، ولا تمتلك إمكانيات كبيرة للتطبيق العملي ، الأمر الذي يحتم على السلطات المحلية والمنظمات المدنية إيلاء اهتمام أكبر بتدريب وتأهيل المرأة وتعزيز إمكانياتها في القيادة الإعلامية ، فالدراسة النظرية في الكلية لا تكفي لتخريج امرأة مؤهلة لقيادة العمل الإعلامي.
_انهزام عائلات الإعلاميات أمام حملات التشويه والإساءة التي تطالهن ، فقد توصلـت دراسـة مسحية حول “التنمـر الإلكتروني ضد الصحفيات اليمنيات”، إلى أن 72% من عينة الدراسة ، تعرضن لنوع من أنواع التنمر الإلكتروني وبصورة متكررة ، بعض التنمر من قبل مجهولين ، وبعضه من قبل زملاء العمل ، وجزء منه من قبل أحزاب وأطراف سياسية، حيث تصدر موقع “فيسبوك” قائمة أكثر التطبيقات التي تعرضت فيها الصحفيات المستهدفات للتنمر الإلكتروني بنسبة تجاوزت الـ 90% مقارنة ببقية التطبيقات.
_التحديات التي تفرضها طبيعة المهنة والحرب الخفية التي يمارسها زملاؤهن بدافع الكيد والمنافسة ، وهو ما يؤثر سلبا على استمرار الصحفيات في خوض غمار المنافسة.
_تغييب المرأة عن المراكز القيادية ليس في وسائل الإعلام فقط ، بل في مختلف المناصب الأخرى ،
ولا ننس أن الحكومة الحالية لا توجد فيها وزيرة واحدة.
_تعامل بعض أصحاب العمل الصحفي سواء كانوا مؤسسات أو صحف مع الصحفية على أنها تقبل بالأجر الزهيد ، مما يضطرها إلى الاهتمام بجلب الإعلانات لتحسين الوضع المادي لها ، الأمر الذي يدخلها في تنافس قد يصل إلى الصدام فتكون ضحية كما حدث بالفعل مع بعض الزميلات.
_عدم وجود قانون يحمي المرأة من التحرش بالألفاظ أو الفعل.
انصراف الصحافة النسائية من طرح ومعالجة هموم وقضايا المرأة ، إلى أن يكون جُلّ اهتمامها بقضايا خطوط الموضة وأدوات التجميل والمطبخ ، وبالطبع هذا لا يمكن تجاهله في شأن المرأة، لكن المشكلة تكمن في أنه أصبح يمثل المحتوى الكامل للمنتج الصحفي النسوي ، ما أدى بطبيعة الحال إلى إهمال المواضيع الحساسة والرئيسة التي تشغل المرأة وواقعها واهتماماتها وهمومها ومشاكلها.
_عدم تأقلم المرأة مع الوضع الذي أفرزته الحرب ، فطالما أنه لا يسمح للنساء بالتواجد في مواقع القصف والجبهات ، كان يجب اتجاههن لاختيار مواضيع وفقا للظروف التي فرضت عليهن.
_مساهمة الإعلام نفسه في ظلم المرأة أحيانا ، فحصر المرأة في مجال الأزياء والتجميل ، وتجاهل عقلها وفكرها ساهم في تكريس فكرة المجتمع بأن هذه هي أولويات اهتماماتها ، بينما لدينا من النساء المفكرات والأديبات والعالمات والطبيبات وسيدات الأعمال المتميزات ، واللاتي تفوقن على الرجل في بعض المجالات.
