تراث عدن المعماري .. تخريب وإهمال ومطالب بالصيانة وإعادة التأهيل

سمانيوز / تقرير / محمود أنيس
تبدأ قصة عدن في العصور القديمة، مع مملكة سبأ القديمة، المعروفة لدى الكثيرين باسم سبأ. تأثرت الهندسة المعمارية للمنطقة باحتياجات المدينة الساحلية المزدهرة. وتشهد التحصينات مثل قلعة صيرة التاريخية، الواقعة على جزيرة صخرية، على الأهمية الاستراتيجية لعدن. تعتبر صهاريج المدينة القديمة، والمعروفة باسم خزانات الطويلة، من عجائب الهندسة المعمارية، وهي مصممة لجمع وتخزين مياه الأمطار الثمينة بالإضافة للمباني والمساكن التي تتمتع بطراز معماري فريد متميز أيضا.
وسنبدا الحديث عن تراث عدن المعماري منذ دخول البريطانيين لعدن نهاية القرن الثامن عشر.
فقد مَزجت أحياء المدينة القديمة في عدن التنوع الذي امتدَّ من لندن إلى مومباي، فمن يسكن عدن يعشق تفاصيلها الصغيرة التي شُكِّلت ملامحُها لتجذب كلَّ من يسكنها أو يأتيها زائرًا.
ويقول الباحث في المدن التاريخية نجمي عبد المجيد: ” تمتاز البيوت العدنية ببنيتها القوية، وتبدو تفاصيل البناء المعماري للمنازل عن طريق المواد التي استخدمت في البناء كالأخشاب والأحجار وهناك خلطة البوميس التي تعرف في عدن، إذ تمتاز جبال شمسان بوجود مادة البوميس حيث تطحن ويضاف إليها الماء ومادة الجير التي تسمى في العامية (النورة)”.
ويضيف نجمي : “يمتاز الطابع العدني في تشكيلة بناء المنازل بالياجور الأحمر، وكل البيوت العدنية تستعمل مادة الياجور في أبنيتها.
تراث عدن المعماري والتخريب والإهمال :
للأسف الشديد منذ عام 1990م خاصة لم تقدّم السلطات أي دعم يذكر للاهتمام بالطراز المعماري لمدينة عدن. كما أنه لم تفرض قوانيين وعقوبات فعلية لكل من يقوم بتشويه الثراث المعماري للمدينة أو الاعتداء عليه أو تغير نمط البناء للمساكن القديمة التي يقدر عمرها لما يقارب المئة سنة.
وللأسف فإنه بعد عام 1990م زادت عملية التخريب والإهمال للتراث المعماري بعدن.
حيث بدأ بعض الوافدين للمدينة بشراء بعض المباني التي تعد لها عشرات السنين قائمة وتشهد على حقبة معمارية وزمنية معينة ، إلا أنه وبدل من أن يحافظوا عليها قاموا بهدمها دون مراعاة لتاريخها.
وبسبب عدم وجود القوانين والعقوبات الرادعة لمن يقوم بتشويه الثراث المعاري فإن هناك بعض الأسر التي قامت بالبناء على أسطح هذا العمارات مما تسبب بتشويه في مناظرها الجميلة. كما أنه بسبب تجاهل السلطات والجهات المعنية وغياب دورها في ترميم المباني التي تعد من المباني التراثية فقد تعرض بعض أجزاء هذه المباني للتهالك مثل النوافذ وبعض جهاته الخلفية بسبب الصرف الصحي وغيرها من عوامل التعرية.
ولغياب الدور الرقابي فإن هناك بعض المساكن والمباني التي تعد معابد وغيرها مغلقة منذ سنوات مما تسبب بتهالك معظمها والبعض منها قد تعرض للاقتحام من قبل متنفذين وبلاطجة دون رادع أو عقاب.
وحسب توصيات بعض المختصين قدم المهندس المعماري أحمد الحزم العديد من التوصيات فيما يخص مباني عدن القديمة منها الاهتمام بالمباني الأثرية وتنميتها خصوصًا التي تقع على الواجهة البحرية، وضرورة الاهتمام بالفراغات العمرانية في المناطق القديمة وذلك عن طريق استبدال المنهار منها أو الآيلة للسقوط بمناطق خضراء تعمل على تلطيف الجو.
ودعا المهندس الحزم المتخصصين في مجال العمارة إلى عمل دراسات متخصصة في إظهار الطابع الخاص بمباني مدينة عدن التقليدية والحفاظ عليها، وضرورة وضع رقابة على البناء ووضع قوانين وتشريعات بنائية تتناسب مع البيئة والمناخ والطراز وتوفير الخصوصية المعمارية لمدينة عدن وكل منطقة تتميز بتراث حضاري يتناسب مع البيئة، وعدم الخلط بين الطراز المعماري للمناطق اليمنية.
يجب أن نحافظ على الطابع العدني في البناء، ومحاسبة من يقوم بتغيير النمط العدني المعماري إلى نمط آخر غير الموجود عن طريق الهدم، كما يجب عمل دورات تعريفية للعمارة العدنية التي يجهلها العالم وخاصة المنازل العدنية التي لها تاريخ عريق وإرث يجب التعرف عليه والترويج له.
ونظرا لما تعرض له التراث المعاري العدني يتضح لنا بأن هناك عملا ممنهجا ومدروسا لتدمير التراث المعاري العدني العريق ، وقد بدا هذا العمل بعد الوحدة مع اليمن.
تراث عدن المعماري .. الترميم والتأهيل :
في إطار المحافظة على تراث عدن المعماري فإنه قد بدأت مبادرات شبابية في السنوات الماضية من تدريب شباب المدينة على الرصد وتوثيق التراث المعماري العدني، بالإضافة لإقامة ورشات تدريبية ولقاءات مع عدد من الأهالي، بينهم عدد من ملاك المنازل التي استُهدفت في عملية التوثيق، من أجل توعيتهم على أهمية الحفاظ على نمط البناء القديم في المدينة.
كما نظّمت تدريبات استهدفت خريجي وطلاب هندسة قسم المعمار والتصاميم الداخلية، وركزت على الإرث المعماري وطرق دمجه في التصاميم الداخلية التي سيعمل عليها المتدرّبون في المستقبل.
ونزل فريق عمل المشروع إلى أحياء مختلفة من مدينة كريتر الواقعة جنوبي عدن، ووثّقوا أكثر من 50 منزلاً ذات طراز معماري قديم.
من ضمن المشروع، تعهّد الفريق المشرف عليها بإعداد دراسة عن العمارة العدنية، في ختام مرحلة التوثيق، اكتملت مسودتها الأولى وستُستكمل في المرحلة الثانية. وكان من أهدافه رفع مستوى الاهتمام بالموروث العمراني عند الأهالي عبر نشر مواضيع ذات صلة في الصحف والمواقع الإلكترونية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ونجح في ذلك.
تركّز جهود مجموعة من الشباب في مدينة عدن الساحلية على إعادة إحياء التراث المعماري القديم للمدينة، عبر مراحل تتضمن التوثيق والنشر ودمج الأنماط المعمارية القديمة مع التصاميم الحديثة.
وهنا نأخد رأي أحد المختصين بالمعالم الأثرية التاريخية ومن هذه الآراء الذي أخذنا بها هو رأي الأخ وديع أمان أحد المختصين والمهتمين بالمعالم الأثرية بالمدينة والذي علق على مشروع التأهيل والترميم الذي تشهده المباني المعمارية الأثرية في عدن الممول من قبل الاتحاد الأوروبي عبر اليونسكو بتنفيذ الصندوق الاجتماعي للتنمية وإشراف هئية الحفاظ على المدن التاريخية، والذي يهدف هذا المشروع إلى ترميم المباني الأثرية في العاصمة عدن (كريتر – صيرة).
وقال أمان : بأن المشروع استثنى مباني تاريخية من الترميم والذي يهدد بحرمان عدن من إعلانها محمية تاريخية، حيث أن استثناء هذه المباني يأتي بسبب المعاير الظالمة والخاطئة في اختيار المباني وإن ذلك يشكل خطورة مستقبلية وذلك من خلال حرمان المدنية من إعلانها محمية تاريخية ، وذلك لأن معظم المباني التاريخية لم يشملها الترميم وحرمانها من الترميم.
وفي تقريرنا أيضاً أخدنا آراء بعض المواطنين الذين يسكنون في بعض المنازل التي تحمل التراث المعماري، حيث طالبوا من الجهات المختصة والمعنية المحلية والخارجية التدخل للمحافظة على إرث المدينة والمحافظة على مبانيها والإسراع بإصلاح وترميم هذا الإرث المعاري الكبير.
