الزراعة في الجنوب.. «ثروة قومية» كيف تم القضاء عليها وتعطيلها ..؟

سمانيوز / تقرير / محمود انيس
تعتبر الثروة الزراعية في الجنوب من الثروات القومية للدولة ومصدر دخل أساسي للمواطن، كما أنها كانت تساهم في رفد ميزانية الدولة الجنوبية آنذاك. حيث تمتلك الجنوب أراض واسعة وخصبة قابلة للزراعة بمختلف أنواع الزراعة من فواكه وخضروات وحبوب بالإضافة إلى النباتات والأعشاب الطبية الطبيعية.
ومعروف منذ عقود بأن الجنوب وخاصة محافظة لحج وأبين مشهورتان بمزروعاتهما ومحاصيلهما وتفوقهما في منتجاتهما المختلفة على الكثير من مدن اليمن الشقيق، وكذلك مدن الشرق الأوسط.
حيث أن الزراعة تنوعت في زراعة المحاصيل النقدية كالقطن والبُن، وأشجار المانجا والموز والليمون، والجوافة ونبات السمسم الأكثر حضوراً في السوق المحلية، ناهيك عن مختلف أنواع الخضار والفواكه كالطماطم والباباي والباذنجان والكوسة والبامية والبصل والثوم ومختلف انواع الحبوب والأعلاف، والتي كانت تغذي الأسواق المحلية مما حقق شبه اكتفاء ذاتي للمواطن، إضافة إلى تصدير المنتجات للخارج.
حيث تعرضت هذه الثروة في الجنوب للتدمير والتخريب الممنهج والمدروس بكل ما تعنيه الكلمة منذ عام تسعين.
حيث قام الاحتلال اليمني في تدمير هذه الثروة بكل ما أوتي من إمكانيات وبمختلف الطرق والوسائل مثلما حصل بالعديد من القطاعات والمجالات في الجنوب ، وذلك في سبيل خدمة مصالحهم وأهدافهم التي يعملون على تنفيذها وتحقيقها.
وبعد ما كانت دولة الجنوب تقدم العديد من التسهيلات للمزارعين لزراعة الأراضي والتي كان يستفيد من محصولها المزارع والمواطن والدولة بنفس الوقت، جاء نظام صنعاء اليمني بعد الوحدة بوقف هذه التسهيلات التي كان يتلقاها المزارعون، مما تسبب في عرقلة المزارعين من القيام بزراعة أراضيهم.
ومن التسهيلات التي كان يحصل عليها المزارعون في الجنوب وتوفيرها، الحبوب والبذور وغيرها من المتطلبات التي يحتاجها المزارع الجنوبي.
حيث مارس الاحتلال اليمني احتكار استيراد الحبوب والبذور والتي أصبحت محصورة على جهات معينة عكس ماكان في السابق، مما أدى إلى صعوبة حصول المزارع على تلك البذور نتيجة تحكم المستوردين بسعرها وتخصيص النسب الأكبر منها للمناطق الشمالية«اليمن» دون محافظات الجنوب.
ومن الأسباب أيضا تهالك المعدات الزراعية ، والتي لم يستطع المزارع صيانتها أو تجديدها أو شراء غيرها نتيجة احتكار اليمنيين للأسواق المحلية وعدم إعطاء أبناء الجنوب أحقيتهم وحريتهم الكاملة.
بالإضافة إلى عدم قدرة المزارع على تسويق المنتجات بأسعار محفزة مما يجعل هؤلاء المزارعين عرضة لقوى السوق وجشع التجار بشكل يدفعهم إلى ترك الزراعة والهجرة إلى المدن الكبيرة بحثاً عن فرص عمل ومسكن في أطرافها وأحيائها العشوائية وبدلا من دعم المنتج الزراعي بهدف تشجيع إنتاجه.
كما كان للزحف العمراني أو البناء العشوائي دور كبير في تدمير الأراضي الزراعية وتعددت الأسماء والنتيجة واحدة وحش إسمنتي يتمدد على سكينة الأراضي الزراعية ويلتهمها قطعة قطعة وسط غياب قوانين تنظيم صارمة وضعف أداء جهات يفترض أن تكون معنية بالقضية تمدد إنهاء حياة أخصب الأراضي الزراعية في عدة مناطق ومحافظات أبرزها لحج وأبين والتي يقفز أفقيًا من منطقة إلى أخرى ليزرع نفسه على حساب مزارع الخضروات والفواكه وأعلاف القصب التي كان لها ذات يوم شأن كبير.
كما أن تدمير الأراضي الزراعية يرجع لأسباب عديدة أبرزها الأرباح العالية للاستثمار الذي يقوم به متنفذون يتبعون النظام السابق في العقارات والطلب المتزايد على السكن وعدم توفير مخططات عمرانية خارج نطاق المناطق الزراعية لاسيما في المناطق ومحافظات الجنوب وتواطؤ المسؤولين والإدارات الحكومية مع التجار من خلال الرشوة وغض النظر عن المخالفات، ومع اندلاع الحرب الأخيرة التي شنها الانقلابيون على الجنوب ترددت مؤخراً الأنباء عن تزايد مخالفات البناء في مقدمتها الأراضي الزراعية بسبب الفوضى وتراخي المؤسسات الرسمية أو تعطيل عملها ، وما يزيد الوضع تعقيدا العوامل المناخية كالجفاف والتصحر إضافة إلى التلوث.
كما أن هناك سببا آخر تسبب في تدمير الأراضي الزراعية وهو استخدام الأسمدة التي معظمها تتسبب في الإضرار بالأرض على المدى البعيد، بالإضافة للتصحر الذي شهدته الأراضي بسبب فقدان وشحة المياه التي كان سببها تغير مجرى السيول والبناء عليها من جانب، ومن جانب آخر هو تعرض الآبار للجفاف أو عدم المقدرة لشراء الديزل لإجراء سحب المياه.
الأسمدة كانت لها دور كبير في تدمير الأراضي الزراعية من خلال إدخال الأسمدة المدمرة للأراضي الزراعية والتربة والتي بعضها يعتبر محرم الاستخدام لما لها من ضرر على المزارع والمزارعين والتربة.
آراء المزارعين :
يقول الحاج عمير الحسني : منذ أن وعيت وأنا أعمل مع أبي وأعمامي في الزراعة التي كانت تنتج محصولا جيدًا، وكنا نعتمد على مياه السيول في ريّها غالبا.
ولم أكن لوحدي من أعمل ، ولكن كنا معظم أفراد العائلة من عمومي وأولاد عمومي من المزارعين ، وكنا نعتمد بمصدر دخلنا وهو الزراعة.
وأضاف الحاج الحسني قائلاً : لأسباب خاصة سافرت إلى الخارج في عام ١٩٩٦م، وبعد أن عدت إلى الوطن في عام ٢٠٠٩ لاحظت أن الأرض أصبحت معظمها متصحرة بعد تغيير طرق الزراعة التي كنا نقوم بها واستبدالها بزارعة الرش وأنواع مختلفة من السماد بسبب انعدام البذور الزراعية ولهذا تعرضت الأرض الخصبة إلى التصحر للأسف.
وختم الحاج عمير الحسني متألمًا قائلاً : اليوم عجزنا عن زراعة نصف المساحة المملوكة لنا وعمومي وأولادهم والسبب ما مرت به البلاد ولاتزال تمر به، إلا أننا لن نفرط بها، ونأمل بأن تأتي فرصة ونعود للزراعة إن لم نكن نحن الكبار ، فقد يحقق حلمنا أولادنا والأجيال التي بعدنا.
فيما يقول الشاب محفوظ الوهطي من أبناء لحج : أصبحنا نعاني من الزراعة والسبب جملة من التحديات، فـ”الشركات المنتجة للبذور تعمل على التحكم بجيناتها الزراعية، كاشفًا أن البذور المتوفرة في الأسواق لا تصلح إلا لموسم واحد فقط، إذ لا يستطيع المزارعون استخراج البذور من المحاصيل حيث يخف الإنتاج ومنها ما يموت عندما يخرج من التربة، بالإضافة إلى انعدام المشاتل التي كان يشرف عليها مكتب الإرشاد والتدريب الزراعي بالمحافظة. حيث تقف في دائرة المساءلة الكثير من الشركات المنتجة للأسمدة التي تباع في السوق المحلي، فمع انتشار الآفات والحشرات التي تصيب المحاصيل والتي من المفروض معالجتها بالمبيدات والأسمدة الخاصة بالزراعة، يُلاحظ أثناء استخدام تلك الأسمدة أن الحشرة التي تصيب الحبحب أو الطماطم على سبيل المثال تكتسب مناعة في المرة الأولى مما يضطر المزارع إلى البحث عن نوع آخر من الأسمدة الكيماوية التي قد تضعف المحصول أو تتسبب بآثار أخرى للشتلة.
ختاماً..
تعرضت الأراضي الزراعية في الجنوب والتي تعتبر ثروة قومية لدولة الجنوب وشعبه ، وهذا عبارة عن مخطط تدميري ممنهج مدروس قام به الاحتلال اليمني بعد حرب صيف حرب1994م.
فالنظام اليمني عمل على تدمير الأراضي الزراعية بهدف إنهاك الجنوب وشعبه بكل مايستطيع ، فمثل ما عمل على تدمير الثروة السمكية والسياحية وغيرها من الثروات قام بتدمير الثروة الزراعية، حيث عمل الاحتلال اليمني على جعل الجنوب أرضا قاحلة دون إنتاج مقابل أن تكون الأراضي بالمشاتل التي تورد عبرهم ولايستفيد الجنوبيون من منتوجاتهم.
وللتنوية بأنه بعد حرب 2015م نستطيع أن نقول بأن هناك بوادر لتغيير ما تسبب به النظام منذ حرب صيف 1994م.
وحول هذا الأمر فإننا نناشد الدولة والحكومة بالاهتمام بالزراعة والمزارعين في الجنوب، وأن يعملوا على تقديم كافة التسهيلات الحقيقية للمزارعين لإعادة زراعة الأراضي الجنوبية.
