عادات وتقاليد صارمة وغياب تام للجهات المختصة.. “ثقافة نساء المناطق النائية” بين ظلم الحياة ومستنقع الظلام..!

سمانيوز-شقائق /تقرير/ سامية المنصوري
عُرفت المرأة الريفية منذ القدم بأنها امرأة قوية ومثابرة، وتساعد زوجها ببعض الأعمال الزراعية، وهذا لا يؤثر على واجباتها المنزلية والأسرية، ويعرفن بالنساء المقاومات لصعوبة العيش. وغالبية الكتاب الذين تناولوا المرأة الريفية أو القروية جسدوا المرأة بعراقتها وأصالتها وطبائعها وكل ما تحمله من عادات وتقاليد. رغم ما تملك النساء القرويات من مميزات بعراقتهن وأصالتهن وطبائعهن، وكل ما يحملنه من عادات وتقاليد، إلا أن أغلب المتحضرين أو المدنيين يجهلونها، ما جعلهن في ركن المنسيات، حيث إنهن يعانين من نسيان الجهات الحكومية المختصة لحقوق المرأة، أو بالأصح عدم الرقابة للمسؤولين في المنظمات والمؤسسات، ما أدى إلى تعرض النساء الريفيات للظلم والإهمال والتهميش، وعدم مراعاتهن أو مراعاة مشاعرهن.
تعاني المرأة الريفية من الأمية رغم أننا في زمن يخلو من الأميين، خاصة بجيل التسعينات والألفين، بسبب قلة المدارس في القرى، ما يجعل المرأة الريفية تضطر إلى ترك المدرسة وعدم الذهاب إلى القرى المجاورة للدراسة بسبب صعوبة وسائل المواصلات وانشغال أسرهن عن تفرغهم لمساعدتهن.
نلاحظ أن أفراد المجتمع الجنوبي يعود أصولهم إلى القرى، أي أن 75% تقريباً يعيشون في القرى 25% يعيشون في المدينة، ومعظم من يعيشون في المدن أصولهم قروية أو هاجروا إلى المدينة بحثًا عن فرص عمل لا يجدونها في القرية. وبالتالي فإن بحث أوضاع المرأة القروية إنما هو بحث لجذور مجتمع وغالبية أمهاته، وكما نعلم أن أغلب قيادات الجنوب من هذه الأم البسيطة القروية.
وبنظرة مختصرة إلى برنامج يوميات إحدى نساء قرية مرفد بمحافظة الضالع، الأخت صفية خالد، لنأخذ فكرة بسيطة عن واقع معيشة النساء عندهم، فتقول: “العمل حاجة أساسية بحياتنا، بل يعد أمراً مهماً، حيث إننا نستيقظ قبل أذان الفجر لإعداد الخبز بالموفا عن طريق الحطب والنار، ثم نبدأ بالصلاة مسرعات حتى نستعد للخروج لرعي الأغنام، والعودة إلى المنزل قبل الظهيرة وأخذ الملابس المتسخة والذهاب إلى البئر لغسلها، ثم نقوم بإعداد الغداء، والخروج إلى الحقل لمساعدة الزوج بأعمال الزراعة خاصة بموسم الأمطار الذي تزيد فيه الأعمال والمهام، حيث إنهن يقضين أغلب الوقت في الحقل للعمل، وإذا كان في المنزل أكثر من امرأة فإن إحداهن تبقى للعمل المنزلي ورعاية الحيوانات والأطفال، وتذهب الأخريات للحقل للمساعدة في أمور الزراعة والقطف”.
“فريسة الجهل”
تقول فاطمة حسين، أستاذة اللغة العربية، إن المرأة القروية ما زالت تعيش واقعاً أليماً فعلاً، وأول شيء في هذا الواقع أنها فريسة للجهل فلم تتعلم، ولقد كان التعليم بالقدم أمراً صعباً، حيث إن أغلب القرى لا توجد بها مدارس، فهناك مدرسة واحدة في قرية من بين عشر قرى، أما الآن فقد كثرت المدارس بأغلب القرى أو على الأقل بالقرى المجاورة، ومع ذلك يرسل الرجل القروي ابنه للمدرسة، ولا يرسل ابنته، ليحكم عليها بشقاء جديد إلى جانب أمها.
فالمعروف أن أحوال الإنسان تتغير وواقعه يتحسن طبقاً لمستوى التعليم الذي يحصل عليه، وكلّما حصل على قدر من التعليم تحسّن إدراكه لصحته ولبيته وأبنائه ولمستواه الاجتماعي. والمرأة الريفية تشارك الرجل الريفي في كل هذا العناء، لكن المعروف أن المرأة في القرية تتضاعف مسؤوليتها عن الرجل، وبالتالي يزيد شقاؤها.
وعموماً، فإن هذه المرأة القروية بسيطة في مسكنها، بسيطة في ملبسها، بسيطة في طعامها، لا تتمتع برعاية صحية، ومع ذلك فهي محافظة في أخلاقها، وتؤدي دورها الاقتصادي والاجتماعي بنجاح شديد، فتربي الحيوانات، وتعتني ببيتها وأطفالها، وتحقّق لأسرتها درجة طيبة من الاكتفاء الذاتي.
القروية تحرم من ميراثها الشرعي
من جانب آخر، ترى هيام قاسم، إحدى ساكنات القرية أنه “قد بلغ الحال بظلم المرأة القروية أنها لا تورّث، وتُحرم تماماً من ميراثها الشرعي، وكأن الزمن قد استدار إلى الجاهلية الأولى. ومعظم أوساط القرويين لم تكن تورّث المرأة حتى عهد قريب، وفي بعض الأحيان لا تأكل المرأة مما يأكل منه الرجال بل تأكل من بقاياهم، وتعامل على أنها كم مهمل. أما عن ضربها وإيذائها فحدّث ولا حرج..
وهذا فيه تصادم صريح مع السنة التي جاء بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: «استوصوا بالنساء خيرًا» و «رفقاً بالقوارير»، وصح فيها مشورة أم سلمة لرسول الله يوم الحديبية.
وفي الأوساط القروية، فإن المرأة إذا طُلّقت فإن الجميع ينظر اليها نظرة غريبة، وهذا ظلم. وهكذا ظلمت المرأة الريفية من واقعها الذي بات محمّلاً ضدها بالكثير والكثير”.
وأضافت قائلة: “المنظمات في القرى لا تؤدي واجبها بأكمل وجه، بل إنها تحتاج إلى الوساطات للتسجيل فيها، كما أنهم لا ينظرون للمرأة المطلقة نظرة الاعتبار ومساعدتها بأمور حياتها، من حيث الدعم المعنوي من خلال إقامة توعية للمجتمع بحقوق المرأة وقيمتها في الإسلام الذي كرمها. إضافة إلى الدعم المادي الذي يغنيها عن الذل والتعب”.
القرويات منظورهن للحياة بسيط
تقول جنات مثنى: “المرأة الريفية لا تعرف الحياة الحقيقية، وينظرون للنساء اللاتي لا يعملن بالحقل ويتوقف عملهن فقط على أعمال المنزل، بأنهن ملكات ويعشن أفضل الحياة، وأصبح حلم كل فتاة عذراء بالقرية أن تتزوج برجل لا يكلفها بأعمال الحقل، ويوفر أيدي عاملة بدلاً عنها وعن باقي النساء بالمنزل”.
وتتابع جنات بالقول :”منظور القرويات للحياة منظور بسيط، حيث إنهن لم يفهمن معنى الحياة، حتى أن مدارسهن ضعيفة جداً، ونرى فتيات أكملن تعليمهن إلى الصف التاسع فقط، وهن بالكاد يستطعن القراءة، والبعض الآخر منهن لا يستطعن القراءة، مما يجعلنا نتساءل كيف وصلت إلى هذه المرحلة بالنجاح وهي لا تقرأ؟!.. وهذا الأمر لا ينطبق على النساء فحسب، بل أيضاً على الرجال، فبعضهم بالكاد يقرأ والبعص الآخر لا يستطيع القراءة رغم دراستهم إلى المرحلة المتوسطة، وهذا الأمر يجعلنا نفهم سبب الجهل الذي يعيشه القرويون، فالجهات المختصة هي السبب الرئيس في عدم مراقبة المدارس وتكليف معلمين جديرين.
وحين ننظر للمعلمين والمعلمات بمدارسهم نجد أن بعضهم يحملون شهادة متوسطة، وعندما تسألهم عن السبب يقولون بأنه لم يكن بالقرية مدرسة ثانوية”.
وأكدت قائلة: “هنا نتوقف عن الجدال حول أمور القرى والجهل والظلم الذي يسبحون بمستنقعه، فالأسباب الأساسية هي الحكومة العفاشية السابقة، التي أنزلت الجنوب إلى الأسفل بدلاً من رفعه أو على الأقل جعله كما هو دون تدنيه”.
من ناحية أخرى، أكدت أم فضل (مغتربة وأصولها تعود إلى الريف) أن “المرأة الريفية مظلومة من كل النواحي مثل الحرية، أي حرية الخروج من المنزل، وحرية الرأي، وحرية الحديث عن ما تشعر به من مظلومية من ناحية دراستها، حيث إنها تدرس فقط حتى تستطيع القراءة”.
وتضيف: “ونهاية كل امرأة بالريف الزواج بعمر مبكر، كما أن الزواج في الأرياف معناه أن الزوجة خادمة للزوج وليست شريكة حياة، والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بنا، لكن بمجتمعنا المرأة خادمة، عليها أن تخدم زوجها وأسرته، وتعيش مجبورة بالصبر، فالمجتمع الريفي متخلف وهذه وجهة نظري، والدليل على ذلك هو هم وحزن الأسر الذين يحظون بالكثير من البنات.
إن كمية الظلم والتبخيس الاجتماعي الذي يمارس على المرأة الجبلية لا يمكن احتماله، قد تسأل امرأة في منطقة قروية نائية تستيقظ هي الأولى وتنام هي الأخيرة، تشتغل داخل البيت وخارجه: ماذا تفعلين في الحياة؟ ستجيب على استحياء: لا شيء! لأن هناك استيلاب متعدد الأوجه يمارس على هذه النسوة.
