كيف أسس الاحتلال اليمني مناهج تعليمية تجهيلية في الجنوب؟

سمانيوز/تقرير/المحامية صباح حنش علي
أن التقدم الحقيقي للشعوب هو العملية التعليمية، فقد جعلت الدول المتقدمة العملية التعليمية في أولوية برامجها وسياستها من خلال وضع المناهج التعليمية لتنشئة الأجيال.
إلا أن العملية التعليمية في الجنوب شهدت ركود تام أدت إلى وفاتها سواء في المدرسة أو في المعهد أو الجامعة .
ومن هذا المنطلق سيكون محور حديثنا هو عملية المناهج المدرسية بالنسبة للتعليم الأساسي والثانوي، الذي كان في العام ١٩٩٤م بعد احتلال الجنوب من قبل سلطات صنعاء اليمنية، حيث قامت بيمننة كل شيء فيما يخص التاريخ والحياة الاجتماعية والطبيعة الجغرافية وتركيزها على ما يدور من حياة في اليمن ومحافظاتها متجاهلة كل ما هو جنوبي، إلى حد أن وضعت كثير من العادات والأفكار الدخيلة التي لاتتوافق مع حضارة وثقافة ومدنية المجتمع الجنوبي مما أدى إلى التشتت الفكري والثقافي والانعكاس السلوكي لدى الطلاب.
أما من ناحية المناهج العلمية فقد تم استبعاد كل ما هو مفيد في مناهج دولة الجنوب التي تطورت بتطور التعليم واقتبس أولها من مناهج الدول العربية الرائدة وكذلك مما ورثته دولتنا الجنوبية الفتية من مناهج التعليم الأوربية متمثلة في مناهج الاستعمار البريطاني، بعد أن تم تصفية تعاليم تكريس الاستعمار في هذه المناهج، ومع أن مناهج بداية ظهور دولة الجنوب الفتية كانت تفتقر إلى الجانب العلمي والمهني، إلا أن الدولة سعت لإدخال هذه الجوانب في مناهجها التعليمية مستفيدة من الطفرة العلمية الناجحة المدخلة على تطوير التعليم بواسطة البرامج المقدمة من منظمات التعليم في الأمم المتحدة مثل منظمة اليونسكو وكذلك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، حتى توصلت إلى توزيع سنين التعلم إلى ثمان سنوات للتعليم الابتدائي وأربع سنوات للتعليم الثانوي، وافتتحت العديد من المعاهد المهنية لترفدها بالطلاب بعد ثمان سنوات التعليم الأساسي مثل (المعهد المهني، المعهد الفني، معهد الإنشاءات، المعهد السمكي، المعهد الصحي …. وغيرها من المعاهد ).
أن حكومة صنعاء اليمنية اعتبرت كل هذا الجهد والتطور سيؤدي إلى خلق طبقة مهنية ومثقفة علمياً، إلى جانب ما هو موجود في الجنوب فلجأت إلى التدمير الشامل لما تم تحقيقه في الجنوب والحاق الشعب الجنوبي بقافلة اليمن المتخلفة بوضع منهجها الشهير في العام ١٩٩٤م، ركزت فيه على تعميق دور القبيلة والنهج الزيدي من ناحية اجتماعية وتاريخية ومن ناحية علمية إفراغ المنهج من الجانب العملي والمهني وحشت الكتب على حد سواء بالسرد الكتابي المفرغ مع زيادات غير منطقية في عدد أوراق الكتب وتقسيمها إلى جزئين ليصعب على الطالب والمعلم فهمها أو العمل بها ولم تكتفي بذلك، بل جعلت من هذه المعلومات الخاطئة والكتب المحشوة منهج ثابت للفترة من العام ١٩٩٤م، وحتى يومنا هذا مع أنها كانت تقوم بطبع الآف الكتب لكل منهج مع تغيير عام الطبع.
إن ما وصل له العالم من تطور قد فاق تصورات العلماء أنفسهم وقد سبق ما خطط له، وأصبحت المعلومة تنتقل في أقل من الثانية إلى كل العالم والتلميذ أو الطالب في مدارسنا يصل إلى المدرسة ومعه في حقيبته تلفون ذكي وفي منزله جهاز كمبيوتر حديث، وكذلك في يد المعلم ومدير المدرسة تلفون ذكي وفي بعض المدارس توجد غرفة واحدة تدريس خاصة باستخدام الكمبيوتر تستوعب عدد محدود جداً من الطلاب تفتقر الكثير وكأنها لم تكن. وفي واقع المنهج مثل ماهو اليوم يدرس التلميذ أن آخر وأقوى جهاز لتوصيل المعلومة هو ( الفاكس ) مع أن تلميذ اليوم لا يعرف الفاكس ولا يمكن أن يتخيله، وكذلك المعلم لم يمر بمرحلة الفاكس لأنه لم يكن منتشرا مثل أجهزة التواصل اليوم، وغيرها من المعلومات العلمية في التعرف على جسم الإنسان ونظريات الرياضيات والعلوم المختلفة، ما جعل من تقبل المعلومات الغير منطقية والتي لا تواكب حتى ما هو في متناول التلميذ اليوم حجر عثرة في طريق تطور المجتمع ومن الأسباب الرئيسية لتسرب الأطفال من المدارس والغش وتفشي الأمية والانحراف في الأخلاق.
إن الأدهى من كل هذا وجود القائمين على هذه العملية ( التربوية والتعليمية ) في هرم السلطة وكأنهم مغيبون بما يرونه من ضياع للأجيال ويتجاهلون من أعوام كثيرة تتجاوز ( ٢٠ ) عاما ندائات المعلم الجنوبي والموجه التربوي الجنوبي وكل شرفاء الجنوب ليس من أجل تغيير المنهج الدراسي، فقط بل من تصحيح الأخطاء العلمية والمطبعية في الكتب المكرر طبعها لعقود بحجة عدم وجود القرار بذلك.
كما أننا اليوم نعاني من عدم توظيف معلمين وذلك من العام ٢٠١١م مما أخرج عن الخدمة إلى التقاعد ما يزيد عن سبعين في المئة من الكوادر التعليمية دون بدائل ولا يمكن تعويضهم لأن لو تم الاستقطاب للتوظيف سيكون المعلم الجديد دون مرشد خبير وسيكون عدد المستقطبين للوظيفة قليلين جدا.
إن وضع المناهج واستمراريتها هو عملية تدميرية في جنوبنا من تجهيل وتطبيق سياسة القضاء على أهم مصدر في الحياة وهو الموارد البشرية، وإذا ما استمر الحال عليه لسنين قادمة فإن ذلك سيؤدي إلى كارثة عدم قدرة المواطن الجنوبي لإدارة وطنه وسيكرّس لدى العديد ممن سيصلون للمراكز المتقدمة في الحكم، أن لا يمكن الاستفادة من الجنوبيين الذين لم يصلوا إلى مستوى التطور العلمي والإداري.
فإننا نوجه بكل شدة لتأسيس لجنة عليا تهتم بدور التعليم الأساسي والثانوي لوضع مناهج تكرس ارتباط الفرد بوطنه ومجتمعه وتعنى بتوفير المعلم وتوفير سبل الحياة الكريمة له ليتمكن من توصيل المعلومة للتلميذ والطالب بأحسن الطرق، وأن تجعل التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء المجتمع.
