اقتصاد الجنوب الهش رهينة للودائع الخارجية، إلى متى ..؟

سمانيوز / تقرير / عبدالله قردع
إن مسمى الأزمة اليمنية الواحدة يخفي في بواطنه اختلافات وتناقضات بل وتنافرا حادا على أرض واقعها ينفي وحدانيتها ويثبت أنها مقسومة على اثنين تلقائيا، وكانت اتفاقية 1990م دليلا كافيا على ذلك، ولكن من يقنع أصحاب المصالح أن الشمس تشرق من المشرق، وبالعودة إليها (الأزمة اليمنية) كما يطلق عليها الإقليم والعالم في اليمن والجنوب، فالمستهدف والخاسر الوحيد منها هما الشعبان الشمال اليمني والجنوب العربي، وتتركز الكثافة السكانية الأعلى بمناطق سيطرة جماعة الحوثي ، حيث يعيش هناك أكثر من 30 مليون نسمة أي أكثر من 5 أضعاف السكان الذين يتركزون في الجنوب بمناطق سيطرة مايسمى بالشرعية اليمنية (محافظات دولة الجنوب) الذين يقدر عددهم ب 6 ملايين نسمة فقط، ولكن المفارقة العجيبة أن الاقتصاد بمناطق الشرعية اليمنية (الجنوب) الأقل كثافة سكانية شبه منهار ولايستطيع الصمود لأكثر من سنة إلا بدعم خارجي عبر ودائع مالية سنوية ، فيما بمناطق جماعة الحوثي حيث الكثافة السكانية الأعلى يظل الاقتصاد متماسكا مستقرا ولا يستجدي الخارج ليحصل على ودائع بنكية رغم الكثافة السكانية الكبيرة ، ورغم أن مناطق سيطرة الحوثي شبه مغلقة لاتمتلك غير منفذ بحري واحد عبر ميناء الحديدة ، فيما مناطق الشرعية المحررة أو الدولة الجنوبية بحدودها الدولية المسيطر عليها من قبل قيادات يمنية مدعومة من الإقليم العربي إن صح التعبير تمتلك شريطا ساحليا يقدر بأكثر من الفي كيلومتر غني بالثروات البحرية وعدد لايحصى من موانئ الاستيراد والتصدير ناهيك عن الثروات النفطية والغازية التي لاتحصى مقابل كثافة سكانية قليلة
وفساد عالي الكثافة بحسب مراقبين.
تذهب أغلب الودائع إلى الحوثي وإلى مسؤولي الشرعية في الجنوب :
بحسب اقتصاديين التقتهم صحيفة «سمانيوز» تذهب أغلب الودائع المالية التي يتم ضخها إلى البنك المركزي بالعاصمة عدن إلى جماعة الحوثي وقالوا؛ لايمتلك الحوثي بعثات ولا سلك دبلوماسي مبعثر على الفنادق الخارجية والداخلية ليصرف عليهم ملايين الدولارات، كما هو حال الشرعية اليمنية الراتعة في الخارج وفي الجنوب تقتات من خيراته ومن الودائع والصدقات،
وعن كيفية ذهاب الودائع والعملات الأجنبية إلى جماعة الحوثي؟
قال مختصون إن جماعة الحوثي تستحوذ على النسبة الأكبر من الودائع البنكية وعلى العملات الأجنبية المتواجدة في الجنوب عبر شراء العملة المحلية الطبعة الجديدة المتداولة في الجنوب بسعر بخس مقابل العملة القديمة المتداولة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، بهذا الشكل 140 ألف ريال يمني طبعة حوثية قديمة تساوي ألف ريال سعودي أي ما يعادل 360 ألف ريال يمني طبعة جديدة المتداولة في الجنوب وتقوم جماعة الحوثي بالمضاربة بالطبعة الجديدة في الأسواق الجنوبية فقط ، وتمنع تداولها بمناطق سيطرتها كما تستحوذ عبر تلك العملة الفاقدة لقيمتها على المزاد الأسبوعي المعمول به من قبل البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن ، حيث تقوم بواسطة تجار كبار تابعين لها بشراء ملايين الدولارات مقابل تلك الطبعة الجديدة ويتم إحالة المبالغ التي حصل عليها تجار الحوثي إلى البنك المركزي في العاصمة اليمنية صنعاء على أساس الألف الريال السعودي ب 140 الف ريال حوثي والدولار ب 530 ريال حوثي ، وبهذا يكون الحوثي قد ضرب عصفورين بحجر واحد بالاستحوذ على أكبر نسبة من العملة الأجنبية من الجنوب ونجح في الحفاظ على استقرار عملته المحلية الريال القديم، حيث استخدم الطبعة الجديدة خارج أراضيه للمضاربة بها عوضا عن عملته.
لماذا لايتم مساواة الريال الجنوبي بالريال الحوثي أو إصدار قرار جمهوري يلغي الريال الطبعة القديمة؟
لماذا الـ 100 ريال حوثي تعادل 360 ريال جنوبي؟ ولماذا الريال بمناطق سيطرة الحوثي مستقر ومتأرجح بمناطق سيطرة الشرعية ويفقد قيمته بشكل مستمر ويحتاج إلى وديعة مالية لتنعشه وتحافظ عليه من الانهيار سنويا؟ قال مختصون إن جماعة الحوثي تسيطر على أغلب القطاعات الإيراداية المتواجدة في الشمال والجنوب أهمها الاتصالات والإنترنت وخطوط الملاحة الدولية البحرية والجوية ومحلات الصرافة، كما تسيطر على أغلب الأسواق المحلية كأسواق القات والخضروات والفواكه في الجنوب وتتعامل على أساس 100 ريال طبعة قديمة حوثية تعادل أكثر من 360 ريالا جنوبيا طبعة جديدة في الأسواق الجنوبية ، وأصبح الريال الحوثي وفق التداولات اليومية ثابتا وبسعر محدد أمام الريال الجنوبي وأمام العملات الأجنبية ، فيما تتم المضاربة بالريال الجنوبي طبعة جديدة، وقال مختصون : إن الكثافة السكانية القليلة في الجنوب يقابلها تضخما ماليا كبيرا للطبعة الجديدة وامتناع الحوثي عن التعامل بها بمناطق سيطرته حيث الكثافة السكانية الكبيرة أفقدها قيمتها في الجنوب حيث الكثافة السكانية الأقل كما أدّى امتناع الحوثي عن التعامل بالطبعة الجديدة إلى تحولها إلى مجرد سلعة رخيصة يتم المضاربة بها بالأسواق الجنوبية ، حتى فقدت قيمتها أمام الطبعة القديمة وأمام العملات الأجنبية، وبات من المستحيل مساواة الطبعة الجديدة بالقديمة وأصبحت عملة الحوثي تستمد قوتها على حساب المضاربة بالطبعة الجديد المتداولة في الجنوب.
مختصون : الودائع الخارجية تبقي الدولة الجنوبية تحت هيمنة احتلال اقتصادي خارجي غير مباشر طويل الأمد :
بحسب مختصين اشاروا إلى أن تدمير الاقتصاد في الجنوب مفتعل الغرض منه تركيع وابتزاز الجنوبيين لفترة زمنية أطول، مؤكدين على أن الودائع الخارجية تبقي الدولة الجنوبية تحت هيمنة احتلال اقتصادي خارجي غير مباشر طويل الأمد وأن الأيادي اليمنية الممسكة بالمناصب السيادية في الجنوب رشاد العليمي ومعين عبد الملك مجرد أدوات لتمرير تلك السياسة في الجنوب حيث تتلاقى مصالح تلك الشخصيات آنفة الذكر مع جهات إقليمية في التحالف العربي ، وكان هدفها المشترك منع الجنوبيين من استعادة دولتهم وإبقاء محافظات الجنوب تحت الوصاية الإقليمية واليمنية.
لايوجد مخرج غير التخلص من الطبعة الجديدة واستعادة الدينار الجنوبي :
قال مختصون إن طبعة الريال اليمني الجديد باتت كارثية على اقتصاد الجنوب وأوصلت المواطن إلى حافة المجاعة وإن وضعها لايمكن يتحسن إطلاقا مع تمسك الحوثي بالعملة القديمة ، حيث باتت في نظر اقتصاديين مجرد سلعة متضخمة استخدمها الحوثي وتجار العملة للمضاربة بها في الجنوب، مؤكدين على انسداد أفق الحل المنطقي للاقتصاد في الجنوب وإن الحل الأمثل يتمثل باستعادة العملة الجنوبية الدينار أو طرد التجار اليمنيين من الجنوب.
الودائع مجرد حقن لتخفيف الاحتقان مؤقتا :
مع كل انهيار جديد للعملة المتداولة في الجنوب أمام العملات الأجنبية، تتّجه أنظار الحكومة اليمنية إلى ما ستجود به السعودية من وديعة مالية لحساب البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن، لتغطية طلبات فتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع الأساسية، وإيقاف التدهور المخيف للعملة وتعزيز الوضع المالي والاقتصادي ليتمكن البنك من دفع الرواتب والقيام بواجباته وسداد ماعليه من التزامات، بعد أن تكون الأوضاع قد وصلت إلى حافة الانهيار، ووصل السخط الشعبي والاحتقان في الشارع الحنوبي إلى ذروته، وتتعالى الأصوات بضرورة إيجاد حل ولو جزئي للأزمة لتأتي الوديعة لتذر الرماد في العيون ، فيما الأوضاع بمناطق سيطرة الحوثي شبه مستقرة وتزداد تحسنا جراء استفادتها من الوديعة، حيث يستفيد الحوثي من الوديعة أكثر من استفادة الجنوبيين منها، وتساءل ناشطون جنوبيون إلى متى يظل الاقتصاد في الجنوب هشا ورهينة للودائع الخارجية؟
حمران العيون واقفين للوديعة بالمرصاد :
كشفت مصادر صحفية بالعاصمة عدن بأن قيادة البنك المركزي بعدن تلقت الكثير من الرسائل والطلبات من العديد من قيادات الشرعية اليمنية المقيمين في الداخل والخارج تطالب البنك بصرف مستحقاتهم من العلاوات والحوافز والنثريات وغيرها من المستحقات بالعملة الصعبة، وبحسب المصدر شوهدت طوابير طويلة من وكلاء المسؤولين المقيمين في الخارج أمام بوابة البنك المركزي لاستلام ما زعموا بأنها مخصصات ونثريات ومتأخرات مستحقة لهم،
وقال المصدر إنه تم استقطاع مبلغ يقدر بـ 200 مليون دولار من المنحة السعودية باسم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وأنه قد تم الانتهاء من إجراءات صرفها واستلامها بطريقة غير مفهومة، حيث سيتم استلامها بحسب المصادر من قبل د . رشاد العليمي بدون علم وزير المالية.
وأوضح المصدر بأن هذا المبلغ سوف يتم صرفه كرواتب لأعضاء مجلسي النواب والشورى والحكومة ونثريات لمجلس القيادة الرئاسي.
الوديعة ليست لتعزيز قيمة الريال ولا لتحسين الاقتصاد في الجنوب :
وبحسب تصريحات حكومية إشارت إلى استخدام الدعم السعودي (الوديعة) في تغطية نفقات وقود الكهرباء، في ظل غياب أي نية لدى الجانب السعودي بتجديد منحة وقود الكهرباء (بيع وقود الديزل والمازوت بسعر السوق المحلي) والتي قدمتها مرتين سابقا
وقال اقتصاديون بأن توجه الحكومة نحو استخدام الدعم السعودي لتغطية نفقات وقود الكهرباء سيمثل هدرا كبيرا للدعم، بالنظر إلى ما تقوله الحكومة بأن فاتورة هذا الوقود تصل إلى 100 مليون دولار شهريا، وهو رقم ضخم ناتج عن استمرارها في الاعتماد على مادة الديزل الأعلى تكلفة في توليد الكهرباء بالمناطق المحررة،
ففي بيانها الذي أصدرته خلال الأزمة مع محافظ عدن، اعترفت الحكومة بأن كلفة توليد الكهرباء بالعاصمة عدن لوحدها تبلغ 55 مليون دولار شهريا، موضحة أن الإنفاق اليومي لتوليد
الكهرباء ليوم واحد في وضعها الحالي بالعاصمة لثماني ساعات يبلغ قرابة 1,8 مليون دولار، وتشمل 1,2 مليون دولار قيمة مشتقات نفطية مازوت وديزل بالإضافة إلى النفط الخام المخصص لتشغيل محطة بترومسيلة في عدن، والذي يقدر قيمته ما بين 400 – 600 ألف دولار يوميا بحسب أسعار النفط الخام عالميا.
الاستنجاد بالخارج لمواصلة الفساد داخليا :
قال مختصون إن ما يحدث في الجنوب أمر غير سوي ويثير تساؤلات حيث لجوء حكومات الشرعية إلى الاعتماد على مادة الديزل أو النفط الخام في توليد الكهرباء يثير الاستغراب، بالمقارنة مع التوجه الذي تمضي عليه أغلب دول العالم وعلى رأسها دول الخليج الغنية باحتياطيات النفط خلال السنوات الأخيرة إلى الاستغناء عن استخدام النفط ومشتقاته في توليد الكهرباء، واستبداله بالغاز الطبيعي الأرخص والأقل تلوثا، مع التوجه بالتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة كالرياح والشمس. وطالبت الحكومة وفقا لمصادر إعلامية بالعاصمة عدن بصرف 300 مليون دولار من الوديعة لتغطية نفقات وقود الكهرباء لثلاثة أشهر وفقا للاستهلاك السابق للوقود وبمعدل ساعتين تشغيل مقابل أربع ساعات انقطاع، وبحسب نفس المصدر طالب رئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك هو الآخر بحصته من الوديعة السعودية جاء ذلك عبر رسالة رسمية وجهها إلى مجلس القيادة الرئاسي بمنحه مخصصا ماليا من الوديعة السعودية لتغطية نفقات تحركاته الخارجية وتحركات وزراء حكومته معتبرا بأن المخصص سوف يسهم بتحريك عمل الوزراء والسفراء بالخارج،
وفي سياق نهب الوديعة قالت نفس المصادر بأن رئيسي مجلسي النواب والشورى طالبا بصرف مخصصاتهم من رواتب ونثريات وقدما تصورات مالية وخطة لميزانيات ضخمة لتسيير عملي مجلسي النواب والشورى خلال المرحلة المقبلة.
ختاما .. إلى متى تظل القبقبة للجنوب والفائدة للحوثي وللشرعية اليمنية الجاثمة على شعب الجنوب؟ إلى متى تظل الدولة الجنوبية ألعوبة بيد من لا يساوون قبضة من ترابها.
