محمية الحسوة أنموذجاً.. «المحميات الطبيعية في العاصمة عدن» كنوز بيئية وتاريخية مهددة بالانقراض..!

سمانيوز/تقرير/ حنان فضل
تّعد المحميات الطبيعية ثروة استثنائية. وفي العاصمة عدن توجد واحدة من أهم المحميات الطبيعية وهي محمية الحسوة، التي كانت مكاناً خاصاً بالطيور المهاجرة والحيوانات الأليفة، ويقصدها الزوار من كل مكان.. لكن للأسف تحولت المحمية بسبب إهمال السلطة المحلية إلى مكب للقمامات والقاذورات.
من الناحية التاريخية:
تحدثت الأخت زبيدة لقمان، الباحثة في علم الآثار والتاريخ القديم، قائلة: محمية الحسوة البيئية كانت نموذجًا فريدًا في الجزيرة العربية، إذ أُنشئت منذ السبعينيات كأول محمية طبيعية في عدن والخليج، وكانت تُعرف بكونها موئلًا للطيور المهاجرة النادرة، ومتنفسًا بيئيًا للمدينة.
هذه المحميات ارتبطت بتاريخ عدن كمدينة عرفت كيف توازن بين التمدن والحفاظ على الطبيعة، مما جعلها من أوائل المدن التي اهتمت بالبيئة في المنطقة.
أما اليوم فتعاني المحميات في عدن من الإهمال والتعدي والبسط العشوائي، وهو امتداد لسياسات متعمدة منذ فترة الاحتلال اليمني لإفراغ عدن من مقوماتها البيئية والثقافية.
غياب دور السلطة المحلية الفاعل في الحماية والتأهيل جعل هذه الكنوز مهددة بالانقراض، رغم أنها ثروة وطنية وسياحية قادرة على أن تكون مصدر دخل للمدينة وتعزز من مكانتها.
إن الحفاظ على المحميات الطبيعية في عدن اليوم ليس مجرد مسؤولية بيئية، بل هو مسؤولية تاريخية ووطنية، لأنها تمثل شهادة حية على هوية المدينة وحق الأجيال القادمة. إهمالها يعني ضياع جزء من ذاكرة عدن وتاريخها البيئي.
أهم المعالم السياحية:
قال الأستاذ جمال مسعود علي، كاتب ونقابي تربوي: تعد المحميات الطبيعية في عدن واحدة من أهم المعالم السياحية المجانية وغير المكلفة لأي موازنات مالية لأي حكومة أو سلطة محلية، بل على العكس، فهي تعد مصدراً من مصادر الدخل التي ترفد خزينة السلطة المحلية بالأموال متى ما أدركت ذلك، وتعاملت معها ككنز طبيعي متاح لها ويجب عليه استثماره.
المحميات الطبيعية منحة للسلطة المحلية، ومورد طبيعي لا يقل أهمية عن الموارد والثروات الأخرى.. فماذا يجب عليها أن تفعله إزاءها لتحولها إلى مصنع طبيعي منتج يجر دخلا لها؟
والمحميات الطبيعية في عدن كثيرة، سواء تلك التي في الجزر أو محمية الحسوة. وهي فقط تحتاج إلى إثارة وتسليط الأضواء نحوها وتحويلها إلى سلعة ومنتج تعرض للجمهور بإعلان ضوئي أو مشهد فيديو لدقيقتين، إضافة إلى التزيين وإدخال عوامل الجذب والإثارة والخدمات المريحة للزائرين حال دخولهم من البوابة، كمستهلكين للسعلة المعروضة في الإعلان.
مؤسف جداً أن يسقط مشروع تأهيل محمية عدن وإحيائها كمعلم سياحي لم يدم طويلاً. ما برح الجمهور أن يتعود على زيارتها والتجول فيها حتى يجد أبوابها مغلقة دون مبرر، وتحولها إلى مزبلة للنفايات والقاذورات، طاردة للبشر وهي في كبد العاصمة عدن، وواجهة جمعت ما بين البحري والبري معاً
على السلطة المحلية في العاصمة عدن أن تقدر قيمة السلع والمنتجات الطبيعية، وتستثمرها أكثر من مشاريع الاستثمار الاقتصادية للمنتجعات والفنادق والمراكز التجارية.. فالمحميات والجزر ثروة دائمة ومتجددة وغير مكلفة، وهي سلعة تنتج ولا تستهلك، وتوفر دخلاً ولا تكلف نفقات تشغيلية كبيرة، فهي تجهز لمرة واحدة ثم تتحول إلى عداد يرتفع رصيد دخلها بشكل يومي، ويفضل أن يتم استثمارها لصالح السلطة المحلية، تنتجها وتعرض منتجاتها للجمهور وتديرها، لا أن تؤجرها لمستثمر يدفع لها إيجاراً شهرياً مهما بلغت قيمته، ثم هو يحتسب العداد التصاعدي للربح لصالحه.
أتمنى أن أزور واحدة من الجزر الطبيعية الجميلة التابعة لعدن، أو أزور محمية الحسوة وتكون مجهزة لاستقبال الزوار والسياح المحليين والأجانب، وهي في أبهى حلة، فلا تحتاج إلا إلى إضاءة بالطاقة الشمسية ومقاعد من خشب المحمية وأوراقها المتساقطة، وبعض العاملين المحترفين المهاريين من أصحاب مشاريع التنمية المستدامة والتطوير السياحي.. فالكنوز إن لم تستثمر يأكلها الإنفاق أو الزكاة، وزكاة المحميات الطبيعية المخلوقات الطبيعية، إن لم يكن البشر الواعون فهي ستأكل نفسها.
كنوز بيئية وتاريخية
ومن جانبها قالت الدكتورة هناء عبدالكريم: المحميات الطبيعية في عدن، وبالأخص محمية الحسوة البيئية، تعد من الكنوز التاريخية والطبيعية المهمة التي تعرضت لتدهور واضح جراء النزاعات والحروب التي شهدتها المنطقة. محمية الحسوة التي أعلنتها الحكومة اليمنية رسمياً كمحمية طبيعية في عام 2006، كانت تمثل ملاذًا هامًا للتنوع البيولوجي، حيث تحتوي على 23 نوعاً نباتياً من 9 عوائل، وتعد موئلاً لعدد كبير من الطيور المهاجرة والمهددة بالانقراض، مثل النورس أبيض العينين وأبو منجل المقدس، إلى جانب وجود حيوانات مختلفة كالأرانب والثعالب.
مع ذلك، تسببت الحرب في تدمير أجزاء كبيرة من الغطاء النباتي في المحمية، مثل أشجار النخيل المروحي، وعمليات الاحتطاب الجائر والرعي، مما أدى إلى تراجع المساحات الخضراء في المحمية.
كما تحولت محمية الحسوة إلى مكب للنفايات ومخلفات البناء التي ترمى بداخلها بشكل شبه يومي، مما ساهم في تدهور بنيتها التحتية والبيئية، وزيادة التلوث، وأدى ذلك إلى تهديد التنوع البيئي في المنطقة.
جهود السلطة المحلية في عدن للحفاظ على المحميات الطبيعية تواجه تحديات كبيرة بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية. لكن هناك بعض المحاولات التنموية والتوعوية من خلال حملات توعية ومبادرات من جهات ومنظمات غير حكومية، إضافة إلى إجراءات بسيطة مثل تثبيت لوحات توعوية وتنظيم زيارات علمية للطلاب.
مع ذلك، فإن تلك الجهود لا تزال غير كافية وتحتاج إلى دعم قوي من السلطة المحلية والحكومة المركزية، من حيث سن القوانين، فرض العقوبات، تخصيص الميزانيات، وإدارة المحميات بشكل فعال لمنع البسط والإهمال، والحفاظ على هذه الكنوز البيئية.
من الناحية التاريخية، المحميات الطبيعية في عدن تمثل جزءاً من التراث البيئي والثقافي للمنطقة، فهي موائل طبيعية تجمع بين التنوع النباتي والحيواني، وتؤدي دوراً بيئياً واقتصادياً هاماً للسكان المحليين، وإهمالها وتدهورها يمثل خسارة كبيرة على التراث الطبيعي والبيئي الذي يجب أن يحظى بحماية واهتمام مستمرين.
باختصار، محمية الحسوة وغيرها من المحميات في العاصمة عدن كنوز بيئية وتاريخية مهددة بالانقراض نتيجة للحرب والإهمال، وجهود السلطة المحلية في الحفاظ عليها رغم وجود بعض المبادرات ما تزال بحاجة إلى تعزيز وفعالية أكثر، لضمان بقائها وحمايتها من التدمير والبسط.
