تقارير

الأغاني الوطنية وتأثيرها في تعزيز الانتماء للوطن

سمانيوز/تقرير/ حنان فضل

نحن الآن في صدد التحضيرات لفعالية وطنية في الجنوب، وهو العيد الوطني الـ62 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، التي يحتفي بها أبناء الجنوب سنوياً تعبيراً عن وطنيتهم وتذكيراً بأن دماء الشهداء لم تذهب هدراً، بل كانت ثورتهم ضد الاستعمار البريطاني من أجل استعادة كرامتهم وأرضهم.. وكان للأغاني الوطنية دور مهم في إنعاش روح النضال وتعزيز حب الوطن والانتماء إليه، حيث تترك أثراً عميقاً في نفوس الناس، وإلى يومنا هذا والأغاني الوطنية لها تأثيرها القوي، وتعتبر جزءاً مهماّ من الثقافة الوطنية وتأثيرها يمتد إلى جميع فئات المجتمع.

أهمية الأغنية الوطنية في تعزيز الهوية الجنوبية:

تحدث الدكتور سعيد بايونس عن أهمية الأغنية الوطنية قائلاً: مثلت عدن درة الجزيرة العربية من حيث المدنية والحضارة والعمل المؤسسي والسياسي، فكانت الخمسينيات مهد المد الثوري، اشتد النضال العربي وتأججت شعلته وتصلب عودة ببزوغ شمس الثورة الجزائرية التي انطلقت شرارتها من قمم أوراس الأبية. وبعد تأميم قناة السويس في مصر شكل هذا الحراك الثوري العربي محفزاً لتشكيل الوعي في الجنوب.

كانت سيمفونيات الثورة الجنوبية مسلات توثيق لمراحلها ومنعطفاتها، وبصمات لمبدعيها ومشاعرهم الصادقة نحو تمثيل قيم الانتماء وحب هذه الأرض، وصدق موقفهم وثباته نحو إنجاز الهدف المنشود والحفاظ على كينونتهم الوجودية بملامحها الجنوبية الخاصة.
احتفاء بأعياد الثورة والاستقلال نقتطف من مدرسة الأغنية الثورية والوطنية بعضاً من أغنياتها التي شكلت الوعي وحققت هدف التعبئة والتوعية بضرورة الاستقلال ومواصلة النضال. تفاعل الشاعر لطفي جعفر أمان مع قضية محاكمة المناضل عبد الله باذيب فكتب قصيدته “أخي كبلوني”، فكانت أولى الأغنيات الوطنية حيث بثت المشاعر الثورية بين الناس، فقد لحنها وغناها الفنان محمد مرشد ناجي عام 1954م:
أخي كبلوني وغل لساني واتهموني
بأني تعاليت في عفتي
ووزعت روحي على تربتي
وخنقت أنفاسهم قبضتي
لأني أقدس حريتي
لذا.. كبلوني..
(القاسمي: 1988م: 79)،

وأضاف: وقد لحن الفنان المرشدي كثيراً من الأغنيات للشاعر عبد الله هادي سبيت منها (القطن یا ظالم) و(يا ذي عشت في نارين والله قرب دورك) و(يا ابن الجنوب طفي النار)، وغيرهم من الشعراء. فكان المرشدي يخوض المعركة من الداخل، الأمر الذي عرض هذا الفنان لمشاكل لا حصر لها من قبل السلطة الاستعمارية في عدن آنذاك (فارع: 1985م: (181). كما غنى المرشدي قال أبو زيد من كلمات صالح فقيه وألحان ابن هادي القاسمي: 1988م: 82).
ولحن وغنى الفنان فضل محمد اللحجي أغنية (في ركب التحرر سر يا ابن الجنوب) كتبها الشاعر علي عوض مغلس:
شمّر للنجاح يا رمز البطولة
ذا يوم الكفاح..
واثبت في ثباتك مرهم للقلوب
في ركب التحرر سر يا ابن الجنوب
(ثابت: 1988م: 40 – 41).

ومن إذاعة صوت العرب بالقاهرة صدح الفنان إسكندر ثابت بأغنية “شعب الجنوب”: سلام ألفين للشجعان في الأشعاب والبندر
على صوت العرب قاموا من أجلك
ويا شعب الجنوب النصر يهنا لك
(القاسمي: 1988: 80).

ومن أبين المتواجدة روحياً مع عدن ولحج جاءت الأغنية “برع يا استعمار” للفنان محمد محسن عطروش..
خلا ذا الجنوب يشعل كالجمرة
تيار الجبار هو نفس التيار
(القاسمي: 1988: 85).

وأشار: وغنى الفنان محمد صالح حمدون أغنية: “والله إنه قرب دورك يا بن الجنوب” التي كتبها ولحنها الشاعر عبد الله هادي سبيتظ.
يا صابر على ذلك ما أصبرك
من با يعذرك.

وواصل حديثه: وأغنية “أيها العمال التي كتبها الشاعر صالح نصيب وغناها الفنان الثائر حسن عطا:
أيها العمال يا عرب الجنوب
إن نصر الله من نصر الشعوب
فانصروه اليوم
ينصركم غداً
(ثابت: 1988م 47 – 48).
تلاحظ في أغنيات هذه المدة تمسكها بمسمى “الجنوب ومحاولة الحفاظ على الهوية قبل أن تداهمها “اليمنية”.

وللفنان الكبير أحمد بن أحمد قاسم أغنية ثورية رائعة جاء في مطلعها:
بلادي وإن سال فيك الدم
ففي ذلك الشرف الأعظم

ويشدو الفنان المرشدي بأغنية من كلمات الشاعر الوطني علي عبد العزيز نصر:
أنا الشعب زلزلة عاتية
ستخرس أفواههم صيحتي
(ثابت: 1988م (85).

وغنت الفنانة رجاء باسودان “أيا ثورة الشعب”، من كلمات حسين عبد الباري ولحن محمد المحسني:
أيا ثورة الشعب دومي مناراً
فإنا يهدي ضياك اهتدينا
لجأنا إلى شامخات الجبال
ومن شامخات الجبال ابتدينا
عمدنا إلى رأس أوراسنا
وردفان أوراسنا أجمعينا

وهذه إحدى أيقونات الثورة التي وثقت لهذا الحدث محددة مكان انطلاق الثورة (ردفان)، وصناعة ثنائية تجلي المكان الجبلي أوراس وردفان، فالثورة علو وشموخ.
(الأواصر الغنائية بين الجنوب والخليج) خالد محمد (القاسمي، دار الحداثة، بيروت، 2، 1988م).
(لمحات من تاريخ الأغنية) طه فارع (دار الهمداني عدن، 1، 1985م).

“الأغاني الوطنية ليست مجرد كلمات تردد:

قال الأستاذ ناجي الجحافي، معلم وكاتب وناشط سياسي جنوبي: الأغاني الوطنية ليست مجرد ألحان تُردد في المناسبات، بل هي نبض الشعوب وصوت الأرض الذي يعبّر عن الهوية والانتماء والولاء. ترسخ الهوية الوطنية وتُجسّد ملامح الوطن، وتُعبّر عن تاريخه، رموزه، وتضحيات أبنائه. فهي تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتُرسّخ الشعور بالانتماء إلى أرضٍ واحدة، وقضيةٍ وطنية واحدة، ومصيرٍ مشترك.

فكل شعوب العالم لديهم أغانٍ وطنية يرددها الصغار والكبار حباً واحتراماً لوطنهم، وللإرث التاريخي والوطني للوطن، فعندما ينشد المواطن الأغنية الوطنية فإنه لا يُردد كلمات فحسب، بل يُعبّر عن حبٍ عميق، وولاءٍ صادق، واستعدادٍ تام للتضحية. لأن الأغاني الوطنية تُلهب المشاعر، وترفع درجات الحماس والحس الوطني، وتُعزز الارتباط الوثيق بين الفرد والوطن، لاسيما في أوقات الحروب أو الأزمات أو الاحتفالات الوطنية.

إن الأغاني الوطنية تُعدّ أرشيفًا حيًّا لذاكرة المجتمع، فهي تنقل حكايات وتاريخ الأبطال، وتُخلّد اللحظات المفصلية في تاريخ الشعوب. من خلالها يتعرّف الجيل الجديد على ماضيه، ويستشعر فخره بجذوره، ويُدرك قيمة الاستقلال والسيادة الوطنية.
حين ترتفع الأصوات بالأغاني الوطنية، تتوحّد القلوب، وتذوب الفوارق، ويشعر الجميع أنهم جسدٌ واحد وروحٌ واحدة. تُعزز التلاحم وتُقوّي النسيج الاجتماعي للمجتمع.

للأغنية الوطنية دور بارز في أوقات الحروب وفي النضال الوطني، وتعد وسيلة فعّالة لتحفيز الجماهير، وشحذ الهمم، وبثّ روح المقاومة. فهي تُلهب الحماس، وتُعزز الثقة، وتُذكّر الناس بأهمية الدفاع عن الوطن وبنائه وحماية مكتسباته.
لهذا، فالأغاني الوطنية ليست مجرد فن، بل هي رسالة، وذاكرة، وعهدٌ متجذر ومتجدد بين المواطن ووطنه.

وفي ختام التقرير، قال العميد نصر أحمد فضل، عضو مجلس المستشارين للمجلس الانتقالي الجنوبي: الوطن وروح الانتماء إليه وبناؤه والدفاع عنه، هذه مفردات الواجب الوطني ولشحذ همم الناس وتوجيه أنظارهم للمخاطر التي تحاك ضد الوطن أو يتعرض لها، يأتي دور وأهمية الأغنية الوطنية المعبرة عن الشعور الوطني والمحفزة لأداء الواجب الوطني، وتعريف أبناء الوطن بالمخاطر التي تحاك ضدهم، والواجب الذي يقتضي منهم معرفته، ويعزز إرادتهم للتصدي لها.
تمثل الأغنية الوطنية العامل المحرك لشعورهم الوطني، وتعزز الالتفاف الشعبي الضامن لبناء الوطن والدفاع عنه. وتكمن أهمية وضرورة الأغنية الوطنية في كونها معبرة عن الشعور الوطني، ومحذرة من المخاطر التي يتطلب من الجميع فهمها والاستعداد لمواجهتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى