بين اللقاحات والمتحورات.. هل يصل العالم يوماً إلى مناعة القطيع؟

سمانيوز / طب وصحة
منذ بداية العام الجاري، نجحت الولايات المتحدة في تكثيف حملتها للتطعيم ضد فيروس كورونا التي أسفرت عن تلقى أكثر من 160 مليون شخص جرعة واحدة على الأقل حتى الآن، ما يمثل إنجازاً للهدف الذي وضعه الرئيس جو بايدن “حتى 4 يوليو”، وفقاً لصحيفة “فاينانشال تايمز”.
لكن الصحيفة الأميركية ذكرت أنه في حال تضمين الأطفال، فإن هذه النسبة لا تزال تمثل “أقل من نصف إجمالي عدد السكان”. كما أنه في بعض أجزاء من البلاد بدأت وتيرة تلقي اللقاحات في التباطؤ. ونتيجة لذلك، تتحول الولايات والشركات إلى تقديم حوافز غير تقليدية لمحاولة إقناع المترددين بأخذ اللقاح.
وأشارت إلى أن المملكة المتحدة، إحدى الدول التي لديها برنامج لقاح متقدم نسبياً، “تواجه بعض المشكلات المماثلة”. فرغم تراجع حجم التردد مع طرح اللقاحات، إلا أن تلقي هذه اللقاحات لا يزال يسير بوتيرة غير ثابتة.
مناعة القطيع
وبالنسبة للحكومات، يتسبب ظهور فيروسات متحورة جديدة، والتردد المستمر بشأن تلقي اللقاحات، في عرقلة الخطط الحكومية لإعادة فتح الاقتصاد من أجل استعادة الشكل الطبيعي للحياة، ولو بصورة جزئية، بحسب الصحيفة.
أما بالنسبة للعلماء الذين يتتبعون الوباء، فذكرت الصحيفة أنهم “شككوا في فكرة أن المجتمعات ستصل يوماً إلى مناعة القطيع”، حتى في الوقت الذي تتوافر فيه كميات كبيرة من اللقاحات.
ولفتت الصحيفة إلى أن تصور مناعة القطيع يقوم على إمكانية القضاء على المرض المعدي بمجرد الوصول إلى حد كاف من المناعة، سواء عن طريق الإصابة بالعدوى أو بالتطعيم. وبمجرد تجاوز هذا الحد، فإن انتشار الفيروس يتباطأ بسرعة، إلى أن يتلاشى نهائياً.
في بداية الوباء، كان بعض العلماء يأملون أن يقف هذا الحد المناعي عند نسبة 60%. وفي أغلب أوقات العام الماضي، “حددت الوكالات الصحية حدود مناعة القطيع بشكل غير رسمي عند نسبة 75% تقريباً”، كما قال بيتر هيل، المدير التنفيذي لمؤسسة بحوث اللقاح في واشنطن العاصمة، لـ “فاينانشال تايمز”.
وأضاف هيل: “يبدو أن نتائج تجارب لقاحات حمض الريبونيوكيك المرسال (mRNA) التي طورتها شركات “بيونتيك/ فايزر” و”مودرنا” تحمل احتمالية التخلص من هذه العقبة”. ولكن بالنظر إلى أن الفيروس المتحور “B.1.1.7″، الذي ظهر في المملكة المتحدة، وينتشر الآن في الولايات المتحدة، أكثر انتشاراً من السلالات السائدة في أميركا من العام الماضي، فإن حدود مناعة القطيع قد “تقترب الآن من 80%”.
وفي المملكة المتحدة، يزيد الانتشار المحتمل للمتحور الهندي، الذي يُعتقد أنه أكثر قابلية للانتشار، من تعقيد حسابات البلاد بشأن مناعة القطيع.
ونتيجة ذلك، وفقاً للصحيفة، إذا لم يتم إقناع المترددين بشأن اللقاح بتغيير رأيهم، وإذا واصلت المتحورات الجديدة من فيروس كورونا الأصلي انتشارها، فإن دولاً كثيرة ستعاني من أجل القضاء على (كوفيد ـ 19)، أو ستظل عرضة لهجوم الطفرات الوبائية التي قد تتطلب فرض قيود جديدة.
متغيرات جديدة
وأشارت “فاينانشال تايمز” إلى أن التقديرات بشأن مناعة القطيع تتنوع بدرجة كبيرة، لأنها تعتمد بالأساس على عاملين غير قابلين للتنبؤ، وهما سلوك الفيروس، وسلوك البشر. ولا يعرف العلماء إلى أي مدى ستجعل المتغيرات الجديدة الفيروس أكثر قابلية للانتقال، ولا عدد الأفراد الذين سيتلقون اللقاح.
ونقلت الصحيفة عن ناتالي دين، عالمة الإحصاء الحيوي بجامعة فلوريدا، قولها إن الحسابات يمكن أن تكون “بدائية” في كثير من الأحيان، بافتراض أننا “جزيئات غاز تتناقل”، وليس “بشر لديهم أنماط اتصال متباينة، وأنماط تباعد فائقة محتملة”.
ويخلق إلقاء اللقاح في هذا المزيج المزيد من المتغيرات. ففي جزر سيشل، على سبيل المثال، عاد الفيروس برغم نسب التطعيم المرتفعة. ويعتقد بعض الباحثين أن هذا ربما يرجع إلى اعتماد الجزيرة على اللقاح الذي تنتجه شركة الأدوية الصينية “سينوفارم”، والذي أظهرت بعض الدراسات أن فاعليته ربما لا تتجاوز 50%، برغم إفادة الشركة بمعدلات فاعلية أعلى أثناء إجرائها تجاربها السريرية.
ولا يعرف الباحثون أيضاً مدى فاعلية اللقاحات في منع انتشار العدوى، برغم أن الدراسات المبكرة أكدت أنها تحد من قدرة متلقيها على نقل الفيروس. كما أنه ليس من الواضح إذا كانت هذه اللقاحات ستتحلى بالقدرة على مواجهة الفيروسات المتحورة التي ستظهر في المستقبل.
ولفتت الصحيفة إلى أن العلماء يفضلون التفكير في مناعة القطيع باعتبارها “عملية تراكمية”، وليس كحد نهائي فاصل يتعين عبوره. ونقلت عن جون إدموندز، الأستاذ في كلية لندن للصحة العامة والطب الاستوائي، قوله إن الأمر ليس “مفتاح تشغيل وإيقاف”. فكلما ارتفع مستوى المناعة لدى السكان، كانت معدلات انتشار الفيروس أكثر بطأ.
وأشارت “فاينانشال تايمز” إلى أن خبراء الصحة العامة في الولايات المتحدة، يعتقدون أن تقديم المحفزات، مثل المشروبات المجانية، أو فرض التطعيم كشرط للحصول على وظيفة أو الحضور في المدرسة، قد يغري “غير المكترثين باللقاحات” بتلقي جرعاتهم.
لكن، بخلاف هذه الفئة، يصبح الأمر أكثر تعقيداً، إذ توجد جماعات عديدة من المترددين بشأن اللقاحات، أو ممن يشككون، أو حتى يناهضونها بقوة. وفي الولايات المتحدة يتراوح هؤلاء من مؤيدي الرئيس السابق دونالد ترمب الذين طالما قللوا من خطورة الوباء إلى أنصار اليسار غير الملتزمين الذين يسمون أي شيء بأنه “غير طبيعي”.
