خفض الملح بصمت.. استراتيجية غذائية بسيطة تنقذ آلاف الأرواح

سمانيوز/ متابعات
لطالما حذّرت الجهات الصحية من الإفراط في استهلاك الملح، باعتباره أحد العوامل الأساسية المسببة لارتفاع ضغط الدم، وما يرافقه من زيادة في مخاطر أمراض القلب والسكتات الدماغية وأمراض الكلى. غير أن الالتزام الفردي بتقليل الملح يبقى تحديًا صعبًا، في ظل العادات الغذائية السائدة والانتشار الواسع للأطعمة المصنعة.
وفي هذا الإطار، تشير دراستان علميتان نُشرتا في مجلة Hypertension التابعة لجمعية القلب الأميركية إلى أن الحل قد يكون أبسط وأكثر فاعلية مما هو متوقع، عبر تقليل تدريجي وغير ملحوظ لكميات الملح داخل الأطعمة الشائعة، بحيث يصبح الخيار الصحي هو القاعدة دون الحاجة إلى تغيير سلوك المستهلك.
الخبز نموذجًا للتغيير
ركزت الدراسة الأولى على فرنسا، حيث يشكّل الخبز، ولا سيما “الباغيت”، عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي ومصدرًا مهمًا للملح. وأظهرت النتائج أن خفض نسبة الملح في الخبز وفق الأهداف الوطنية يمكن أن يقلل الاستهلاك اليومي للفرد بنحو 0.35 غرام.
ورغم أن هذا الرقم يبدو متواضعًا، إلا أن نماذج المحاكاة أظهرت أثرًا تراكميًا كبيرًا، إذ يُتوقع أن يسهم في خفض مستويات ضغط الدم على نطاق سكاني واسع، ما قد يؤدي إلى الوقاية من أكثر من ألف حالة وفاة سنويًا، إضافة إلى تقليل معدلات دخول المستشفيات بسبب أمراض القلب والسكتات الدماغية. وأكد الباحثون أن هذا الخفض تم من دون أن يلحظه المستهلكون أو يؤثر على الطعم.
فوائد صحية واقتصادية طويلة الأمد
أما الدراسة الثانية، فتناولت المملكة المتحدة، حيث جرى تحليل تأثير تحقيق أهداف خفض الملح لعام 2024 في عشرات فئات الأغذية المعبأة، إضافة إلى الوجبات الجاهزة والمأكولات المقدمة خارج المنزل. وتشير التقديرات إلى أن الالتزام الكامل بهذه الأهداف كان من الممكن أن يخفض متوسط استهلاك الملح اليومي بنحو 17.5%.
وعلى مدى عشرين عامًا، قد ينعكس ذلك في الوقاية من أكثر من 100 ألف حالة من أمراض القلب الإقفارية ونحو 25 ألف سكتة دماغية، فضلًا عن تحقيق مكاسب صحية تُقاس بمئات آلاف سنوات الحياة المعدلة الجودة، وتوفير مالي كبير لأنظمة الرعاية الصحية نتيجة انخفاض الحاجة إلى العلاج والاستشفاء.
نحو سياسة غذائية ذكية
وتخلص الدراستان إلى أن خفض استهلاك الملح على مستوى السكان لا يتطلب حملات توعوية مكلفة أو تغييرات سلوكية معقدة، بل يمكن تحقيقه من خلال تعاون فعّال بين الحكومات والصناعات الغذائية لإعادة صياغة المنتجات تدريجيًا.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك الصوديوم 2000 ملغ يوميًا، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن متوسط الاستهلاك في العديد من الدول يفوق هذا الحد بكثير. ويرى الخبراء أن أي خفض، حتى وإن كان بسيطًا، يمكن أن يحقق فوائد صحية واسعة عندما يشمل ملايين الأشخاص.
وتؤكد هذه الأبحاث أن “التغييرات الصامتة” في مكونات الغذاء قد تكون من أنجح أدوات الصحة العامة، إذ إن تقليلًا غير ملحوظ للملح في الخبز والأطعمة الجاهزة قادر على إنقاذ آلاف الأرواح، والحد من عبء الأمراض المزمنة على المجتمعات والأنظمة الصحية.
المصدر :العربية
