عام

قول بجرة( بقرة) ..

عادل اليافعي

عادل اليافعي

كاتب واعلامي جنوبي
بالرغم من المعاناة التي سببوها لنا منذ ربع قرن الا أنهم ما يفتأون يمنون علينا أنهم إستقبلونا هاربين من فتنة داخلية اصابتنا كانت لهم يد في اغلب فصولها ، تعالوا معي نعيد شريط الذكريات لنرى من عنده الزائد ومن له الفضل على الاخر :
منذ العهد الأمامي وحكمه السلالي البغيض كان الشمال يقبع في سجن عنيف وكان السيف والسلاسل للشعب في غياهب السجون التي تشبه المدافن هي مصير كل من يتنفس، بدأت الهجرة والهروب الكبير الى الجنوب بدايات القرن العشرين حيث كان (ينعم) بحكم بريطاني رشيد في عدن وحكم سلاطيني حكيم في المناطق الاخرى حيث يتمتع الجميع بالعدل والمساواة ولا تجد هذا العذاب الذي يعانيه الشمال ، منذ وصولهم الى عدن يذوب ابناء الشمال في المجتمع ويصبحوا جزء من نسيجه الاجتماعي بل و يتساوون بالحقوق والواجبات حتى بلغوا مراتب كبيرة وأصبحوا اسياد واهل قرار في امور البلاد ، لم يكونوا نكرة او رقم عابر بل ذو مكانة مالية وسياسية وعسكرية ولهم الحق في نزع ارواح الناس ولهم الحق في إفقار التجار دون حسيب او رقيب كما حدثت في مراحل كثيرة من مسيرتنا الاليمة ، بعد خروج بريطانيا جاء اول نظام حكم جديد كان على طليعته أبناء تعز ومناطق اخرى وتدرجوا حتى باتوا الحكام الفعليين في البلاد ولم نكن نعرف حينها سوى انهم منا وفينا دم ولحم ، خرجت اجيال كثيرة تعود اصولها الى مناطق مختلفة من الشمال ترعرعوا معنا ودرسوا وتعلموا وتأهلوا وتبوأو مناصب في الجيش والامن والقضاء ولم يقل لهم احد يوم انت من اين جأت ، في بداية الثمانيات بدأت الهجرة الثانية من المناطق الوسطى وهم بالالاف في ما كانوا يسمون أنفسهم الجبهة الوطنية وهذه الشريحة أعطيت الافضلية في التعليم والسكن والعلاج والتأهيل الخارجي المجاني حتى قال احدهم كنا نأتي من البلاد وننام اليوم الاول تحت مسجد النور في الشيخ عثمان جياع تعابى منهكين ثم يأخذونا جماعتنا اليوم الثاني الى اللجنة المركزية للحزب حيث كان يقع تحت سيطرتهم ثم يتم تسجيلنا في بعثات خارجية مجانية في اوربا الشرقية وبعد اسبوع نكون قد وصلنا مقصدنا ، هذه الفئة سيطرت كذلك على مفاصل جهاز الامن والاستخبارات وهو اخطر الأجهزة حيث يدار في جميع انحاء العالم من قبل سكان البلد الأصليين وعندنا ادارته تلك الشلة القادمة من الشمال ودون ان يعترض احد وهكذا استمروا حتى بلغوا مبلغا عظيما وأصبحوا يشكلون نسبة كبيرة جدا من سكان عدن ومناطق جنوبية اخرى وأصبحوا جزء من قوميتنا الوطنية ..
تعالوا معي لنرى كيف إستقبلونا شمالا:
الى أواخر الستينات لم يكن احد يفكر بالهجرة لعدة اسباب اولها ان عدن كانت جنة وقبلة عالمية يشار لها بالبنان ،بدأت هجرتنا مع سيطرة الشيوعيين على على مقاليد الحكم ‏في الجنوب ‏وهم في الأصل من أبناء الشمال الذين جلبوها وعندها بدأت البلد ‏تسير إلى الهاوية ‏حينها هاجر الكثير بحثا عن الأمان والعيش الكريم ولم يكن لنا طريق سوى الشمال ‏وهناك ‏اختلفت المعاملة جذريا ‏ما أن يصل الجنوبي الى الشمال ‏حتى يبدأ التحقيق وتبدأ الأسئلة السياسية ‏وكان أول سؤال يطرحه المحقق ، ‏قول بجرة ‏ ويقصد بقرة ‏وإذا قلتها بقرة عندها إذا انت جنوبي شيوعي مصيرك السجن تحت التعذيب والتحقيق المستمر ، كانوا يعتقدون كل الجنوبيين‏ شوعيين ‏و إذا لم تكن تملك أموال‏ فإن مصيرك السجن ‏تقيد بالسلاسل و الأغلال ‏وترمى في سجن القلعة الرهيب ‏تمضي فيه ‏شهور حتى تتقيح جروحك من جراء القيود وعندما يطلقون سراحك من السجن ‏بعد التأكد إنك غير سياسي‏ وغير عسكري ‏يصبح أسمك جنوبي و تبدأ رحلة عذاب جديدة للبحث عن جواز سفر يكلفك ثروة لمغادرة البلاد والذهاب إلى دول الخليج ، كان الجنوبي يتخذ من الشمال نقطة عبور للخروج الى دول الخليج و هذا اقصى ما يبحث عنه الجنوبي ‏ألداخل إلى الشمال ، ‏ومع اندلاع الصراع السياسي في الجنوب ‏غادر الكثيرون‏ بعد هزيمتهم عسكريا ‏وهناك وضعوهم ‏في معسكرات خاصة مغلقة ممنوعين من الخروج إلى المدينة ‏أو ممارسة أي عمل سياسي أو عسكري أو اقتصادي ظلوا في معسكراتهم لسنوات عاملوهم كأنهم قنابل موقوتة ‏ومع توقيع الوحدة اليمنية ‏عاد كثيرون إلى عدن والجنوب ولم يتمكن جنوبي قط من الوصول إلى مناصب سياسية وعسكريه كبرى في الشمال ‏كما ولا يحق لطالب جنوبي ‏أن يذهب بدورات خارجية ‏على حسابهم ‏وإذا وصل احدهم الى منصب سياسي ‏جعلوه خادم وجاسوسا لهم ‏لا يملك من الأمر شيئا، ‏لا يمكننا أن نتذكر ‏جنوبي واحد ‏بلغ مكانة كبيرة في الشمال حتى رجال الأعمال الذين هربوا بتجارتهم ايام التأميم إلى الشمال كانوا يدفعون الجزية أو ضريبة بشكل كبير جدا و كثيرون منهم غادروا ‏بعد الوحدة عائدين إلى عدن يحملون معهم تجربة مريرة عن عنصرية قذرة‏ تفرق بين البشر..
‏ببساطة شديدة أوجزت ‏لكم باختصار شديد ‏الفرق بين استقبالنا لهم و ‏استقبالهم لنا ‏ومن الذي استفاد من الاخر‏ اقرأوا جيدا ‏لتعلموا الحقيقة التي ‏اخفوها كثيرا ‏وحرفوا التاريخ ‏ أتمنى من هذه التجربة ‏أن‏ تكون درسا ‏للأجيال القادمة شمالا وجنوبا ويجب أيضا أن أقول لهم الحقيقة دون تزوير وبكل تجرد حتى لا يقعوا في ما وقعنا فيه ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى