تحتل الإمارات موقعاً متقدماً عالمياً في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد بينت أبحاث «مايكروسوفت» حول انتشار الذكاء الاصطناعي، أنها تتصدر دول العالم في الاستخدام اليومي لأدوات الذكاء الاصطناعي والمساعدات الذكية، مدفوعة ببنية تحتية قوية، وقيادة حكومية داعمة، وجاهزية عالية في المهارات الرقمية.
وقد استطلعت «البيان» آراء الخبراء في هذا المجال، فأجمعوا على أن هذا المستوى لا يعكس إتاحة التكنولوجيا فحسب، بل يؤكد الثقة باستخدامها على نطاق واسع، وتوقعوا أنه بحلول 2030، سوف يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من بيئة العمل اليومية في مختلف القطاعات.
فالذكاء الاصطناعي اليوم بات يوفر شهرياً أكثر من مليوني ساعة عمل يدوي، مع خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 80 %، ما يؤكد أن مفهوم الإنتاجية في المرحلة المقبلة لن يرتبط بعدد ساعات العمل، بل بمدى كفاءة توظيف القدرات البشرية.
المرونة والابتكار
في البداية، توقع عمرو كامل مدير «مايكروسوفت الإمارات»، أن يعتمد الموظفون بحلول 2030 على مساعدين أذكياء لدعم البحث والتحليل واتخاذ القرار، بينما تتم أتمتة المهام الروتينية بشكل متزايد.
وأضاف: سوف يسمح ذلك للكوادر البشرية بالتركيز على الأعمال ذات القيمة الأعلى، مثل الابتكار والتفكير الاستراتيجي.
والبنية التحتية والمهارات التي يتم تطويرها اليوم في الإمارات، تعنيان أن يتحقق هذا المستقبل بوتيرة أسرع، ما يعزز إنتاجية المؤسسات ومرونتها وقدرتها على الابتكار.
عصر تمكين البشر
أما آندي ماكميلان الرئيس التنفيذي لشركة «ألتيريكس»، فقال: بحلول عام 2030 لن يتمثل التحول الأكبر في استخدام الذكاء الاصطناعي والاستغناء عن البشر، بل في تمكين البشر من استخدامه في أداء أدوارهم الوظيفية. وسوف تتولى الأنظمة الذكية معالجة الجوانب الروتينية من العمل إلى حد كبير، مثل إعداد البيانات والتقارير، وسير العمليات الأساسية، وسوف يتجلى أثر ذلك في تحرير الطاقات البشرية للتركيز على تفسير النتائج، واتخاذ القرارات، وتطبيق السياق العملي الفعلي، وهذه هي العناصر التي تُحدث قيمة حقيقية للشركات.
وأضاف: نحن نشهد حالياً هذه الأمور، حيث تظهر أبحاثنا أن 94 % من المحللين على مستوى العالم، و93 % من المحللين في الإمارات، يؤثرون في القرارات الاستراتيجية، وهو ما يعتبر تحولاً جوهرياً في تحديد موضع القيمة الحقيقية داخل المؤسسات.
أما الأدوار الأكثر أهمية، فسوف تكون تلك التي تتمحور حول أشخاص يمتلكون مهارات التفكير النقدي، وفهماً عميقاً لطبيعة الأعمال، مع التمكن من التعامل مع البيانات بطلاقة.
وعما يتوقعه بالنسبة للإمارات تحديداً، قال ماكميلان: من المرجح أن يسير هذا التطور بخطى أسرع، وبشكل أكثر وضوحاً، بفضل الاستثمارات الوطنية القوية، التي تسهم في تعزيز مشهد تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتمتد لتشمل بناء المهارات اللازمة لاستخدام هذه التقنيات بكفاءة عالية، فالتكنولوجيا بحد ذاتها لا تخلق ميزة تنافسية، لأن البشر قادرون على توظيف هذه التكنولوجيا، وهم من يصنعون تلك الميزة. ولهذا السبب، سوف يحظى التطوير المستمر للمهارات وتنمية المواهب بأهمية تضاهي تماماً أهمية التكنولوجيا ذاتها.
وعن دور الذكاء الاصطناعي في تقليص ساعات العمل أو الجهد البشري، قال آندي: لا يكمن التأثير الحقيقي في تقصير يوم العمل بشكل جذري، بل في القضاء على الأعمال التي تتسبب في إبطاء وتيرة كل شيء.
وبحلول عام 2030، سوف يتجلّى هذا التحول تماماً، إذ سيقل الجهد اليدوي، وتتسارع وتيرة إنجاز الأعمال، وسيتم تخصيص وقت أكبر للتخطيط وحل المشكلات، ودفع عجلة استراتيجية الأعمال.
وأضاف: لا تقتصر القيمة الحقيقية على مجرد توفير الوقت، بل تكمن في ما يمكن للأفراد إنجازه واستثماره خلال ذلك الوقت.
ولقد بدأنا نشهد بالفعل أولى بوادر هذا التحول في منطقة الشرق الأوسط، إذ أفاد 82 % من المشاركين في الاستبيانات، بأن هذه التقنيات قد أسهمت في تعزيز مستويات الإنتاجية. وتتمثل المرحلة التالية في تحويل هذه المكاسب إلى قرارات أكثر صواباً، ونتائج أعمال أكثر قوة ورسوخاً.
الذكاء الاصطناعي المستقل
أما ألفريد مناسيه الرئيس التنفيذي للعمليات والشريك المؤسس في شركة «شفرة»، فيرى أنه بحلول عام 2030، سوف ينتقل دور الذكاء الاصطناعي من دعم العمل إلى تشغيله فعلياً، إذ سوف تتولى فرق من الذكاء الاصطناعي المستقل تنفيذ المهام الروتينية والقائمة على القواعد، والتي تتطلب وقتاً طويلاً، عبر مختلف الوظائف، مثل الموارد البشرية، والمالية، والمشتريات، وخدمة العملاء، وذلك ضمن سير العمل مباشرة.
وأضاف: تشير توقعات «جارتنر» إلى أن 33 % من برمجيات المؤسسات سوف تتضمن ذكاءً اصطناعياً وكيلياً بحلول 2028، ما يعكس تحولاً متسارعاً نحو أنظمة قادرة على العمل، واتخاذ القرار، والتعاون جنباً إلى جنب مع البشر، والإمارات تتمتع بموقع متقدم لقيادة هذا التحول، فمع دمج الذكاء الاصطناعي في الاستراتيجيات الوطنية وعمليات الحكومة، تتجه الدولة نحو مؤسسات قائمة على الذكاء الاصطناعي بطبيعتها، حيث يكون سير العمل قابلاً للقياس، ومتعدد اللغات، وقابلاً للتحسين المستمر.
وعن تأثير هذا التطور في تقليل ساعات العمل أو الجهد البشري، قال مناسيه: سوف يكون التأثير بنيوياً، فمن المتوقع أن يقلص الذكاء الاصطناعي أجزاء كبيرة من الأعمال التشغيلية، لا سيما في البيئات التي لا تزال تعتمد على العمليات اليدوية والمتكررة.
وأضاف: تشير تقديرات شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، إلى أن أكثر من نصف الأثر الاقتصادي المتوقع للذكاء الاصطناعي، البالغ 15.7 تريليون دولار، سينتج عن مكاسب في الإنتاجية، ما يتيح للمؤسسات تحقيق النتائج نفسها بموارد بشرية أقل بكثير.
وعلى مستوى المؤسسات، يعني ذلك تحوّل دور العنصر البشري من التنفيذ المباشر إلى الإشراف والرقابة، وتتحقق القيمة الكبرى من خلال تقليل انخراط الأفراد في المهام التشغيلية المكثفة، وإعادة توجيه جهودهم نحو اتخاذ القرار.
أما على صعيد التجارب العملية – يؤكد مناسيه – فإن نتائجنا تبين أن فرق الذكاء الاصطناعي باتت توفر شهرياً أكثر من مليوني ساعة عمل يدوي، مع خفض التكاليف التشغيلية بنسبة تصل إلى 80 %، وهذا يؤكد أن مفهوم الإنتاجية في المرحلة المقبلة لن يرتبط بعدد ساعات العمل، بل بمدى كفاءة توظيف القدرات البشرية.
أجندة الإمارات الرقمية
الختام كان مع طارق مسعود مدير عام «سنوفلايك» في الإمارات، الذي رأى أنه بحلول عام 2030، سوف تتحدد ملامح بيئة العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي بمدى عمق دمج القدرات الذكية في صميم سير العمل اليومي.
وأضاف: على الصعيد العالمي، سوف يترجم ذلك إلى إنجاز أسرع وأكثر كفاءة للمهام الروتينية، وتعزيز دقة التنبؤات، وتوسيع نطاق اتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات، ليشمل مختلف الإدارات.
وأشار إلى أبحاث «سنوفلايك» العالمية التي بينت أن 92 % من الجهات التي تبنّت الذكاء الاصطناعي مبكراً، تحقق بالفعل عائداً إيجابياً على الاستثمار، ما يدل على أنه بحلول 2030، سيصبح جزءاً طبيعياً من البنية التحتية للأعمال، وليس مجرد قدرة متخصصة.
أما عن الإمارات تحديداً، فتوقع مسعود أن تكون بيئات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر تقدماً، مدفوعة بالأجندة الرقمية الطموح للدولة، وارتفاع معدلات تبنّي التكنولوجيا عبر مختلف القطاعات.
وأضاف: في المستقبل القريب، سوف يعمل عدد متزايد من الموظفين، بمن فيهم العاملون في وظائف غير تقنية، بشكل مباشر مع البيانات والأنظمة الذكية، مستفيدين من أدوات قادرة على تحويل الرؤى إلى قرارات وإجراءات قابلة للتنفيذ.
وعن تأثير الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تقليل ساعات العمل والجهد البشري، قال: سوف يتضح هذا التأثير في تقليص الوقت الذي يقضيه الأفراد في المهام المتكررة واليدوية ومنخفضة القيمة، مثل إعداد التقارير، والبحث عبر أنظمة مجزأة، وكتابة الشيفرات الروتينية، ومراقبة سير العمل، والتعامل مع استفسارات الدعم من المستوى الأول.
وفي المقابل، سيتمكن الموظفون من تخصيص وقت أكبر لمهام تتطلب الحكم البشري، والإبداع، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات المرتبطة بالعملاء.
وأضاف: أظهرت أبحاثنا الحديثة أن 77 % من المؤسسات أفادت بخلق وظائف مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 46 %، أشارت إلى فقدان وظائف، ومن بين الجهات التي شهدت الأمرين معاً، أكد 69 % أن الأثر الإجمالي في القوى العاملة كان إيجابياً، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة توجيه الجهود البشرية، بدلاً من الاستغناء عنها.
وبحلول 2030، من المرجح أن يقاس العائد الحقيقي من خلال ارتفاع الإنتاجية، وتسريع وتيرة اتخاذ القرارات، وتحقيق كفاءة تشغيلية أعلى، بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن تقليص أسابيع العمل فقط.