مقالات

إعادة إنتاج الوحدة وحكاية لو أحد قال لك لا تصدق!.

بقلم:
علي ناجي عبيد

في أواخر عام 2017 إلتقيت صدفة بسعادة الدكتور محمد جميح والذي أكن لشخصه احتراماً كمفكر ، رغم الإختلاف الذي يتخلله الإتفاق.
كان اللقاء صيفاً في مدينة الرياض التي تمتلك من الرياض الإسم الجميل وبحضور سعادة الصديق الدكتور محمد السعدي الذي يختلف معي وأختلف معه كثيراً في الرأي ولم يفسد الاختلاف في الرأي للود قضية والذي أظل ممتناً له ما حييت هو ووزير الصحة السابق الدكتور ناصر باعوم على ما قدماه لي من خدمة إنسانية علاجية جعلت القلب يعود شاباً بعد إن عانى من ثقل عوامل معطلة داخلية وخارجية أعانه وأعانهما الله وجزاهما خير الجزاء.
كلانا أنا والدكتور محمد جميح يسمع عن الآخر ويشاهده على شاشات التلفزيون ويقرأ له ، العوامل التي مهدت لتعارف سريع وتقارب أسرع وتفاهم بديع.

بعد تجديد التعارف سألني عما يجري في الجنوب وأسباب النزوع القوي إلى الانفصال ، مبديا رأيه بأسلوبه السلس المتصف بالرزانة واحترام الآخر أن الوحدة هي الأفضل والخ.
قلت له مبتسما هل سمعت حكاية لو أحد قال لك لا تصدق ؟

قال لا، وجهت السؤال للدكتور السعدي وأنت ؟ أجاب لا.
سردت الحكاية بإختصار،
كان تاجر زجاج محتالا راكبا ظهر بغلة وفي حضنه شوالة من كأسات الزجاج الثمين . تضايق من قبضها مع خوف أن تقع أرضا لوعورة الطريق
شاهد في طريقه رجلا طويل القامة ، قوي البنية يمشي حافيا.
توقف بقربه سائلا إياه أيمكنك أن تحمل هذه الشوالة عني بحذر ؟
أجاب نعم.
حمل الشوالة على ظهره سائلاً عن المقابل .أجاب التاجر سأعطيك ثلاث نصائح تنفعك لحياتك مشترطا أن تكون كل نصيحة في نهاية كل ثلث من مسافة الطريق، وافق سريعا آملاً أن يُريه طريق الثراء.
في نهاية الثلث الأول من الطريق صرخ التاجر منبها الرجل بقوة اسمع اسمع بإهتمام .. الرجل بكل جوارحه رغم ثقل الحمولة الذي بدأ أثره يتفاعل مع قواه وقف متلهفا لسماع أول النصائح التي ستنقله من قاع الفقر إلى قمة الثراء بسرعة صاروخية ، قال له التاجر تحرك واسمعني طريقنا طويلة.
لم يعترض وهو يصيخ السمع متلهفا التاجر النصيحة الأولى.
إذا أحد قال لك إن الراكب والماشي حافياً سواسية لا تصدق !!!
تعجب الرجل الغريب لكن سيطر عليه أمل الاستماع إلى ما يفيده في باقي النصائح وربما استزاده .
في نهاية الثلث الثاني بكل جدية التاجر يصيح انتبه انتبه انتبه النصيحة الثانية..اقتنع الرجل الشاقي مسبقا بسحرية النصيحة التالية متشوقا لسماعها.
التاجر …قائلاً وبصوت واثق ممطوط.
إذا أحد قال لك .. إن الغني والفقير سواسية لا تصدق الرجل الغريب لم يستغرب مؤملاً على قطف الثمار بالثالثة.
يواصلون المسير ، الحمل يزداد ضغطه ويتضاعف ثقله بحكم طول المسافة ووعورة الطريق وخطورته في نفسه يردد زجاج زجاج وأي زجاج !!!!.
وصلا إلى دار التاجر العالي الواقع في قمة جبل مرتفع على حافة هاوية سحيقة.
قائلاً للرجل البتول التاعب المنهك الجائع الظامئ،
إذا أحد قال لك إن الشابع الآكل الشارب والجائع الظامئ سوى لا تصدق.
ينظر الرجل والحمولة لم تزل على ظهره إلى إرتفاع الدار وإرتفاع القمة والهاوية السحيقة ويجد الحل .
قذف بحمولته من الزجاج الثمين إلى الهاوية قائلاً للتاجر إذا أحد قال لك إن عاد باقي شقفة زجاج سليمة لا تصدق هازا فأسه في وجهه.
التاجر شاف الموت بحد الفأس ،وهو يبلع ريقه بصعوبة قائلاً صدقت .
أردفت منهيا حديثي .
لو أحد قال لك يا دكتور محمد إن عاد باقي أثر من الوحدة لا تصدق والحل :
إعادة إنتاج الوحدة .
ضحكات عالية واستمر الحديث الأخوي المبهَّر بكلمتي..لا تصدق …
استمر حديثنا مع الدكتور محمد جميع والدكتور محمد السعدي في اللقاء الصدفي ذاك بجو نقي أخوي وعلى البساط الأحمدي كما يقال ، ساده الاحترام والمرح رغم تعقيدات الموضوع الوحدة والانفصال الذي يقع على رأس كل حديث في معظم لقاءات جنوبيين وشماليين حد السيطرة الكاملة أو هكذا يُرى لي من خلال تجربتي الشخصية.
ملخص مشروع إعادة إنتاج الوحدة :
١..الاعتراف أن الوحدة هي الأصل بين الجماعات والشعوب الخ ..
٢..الاعتراف بأن مشروع وحدة 22 مايو 1990م فشل فشلا ذريعاً والتمسك به كارثة على الشعب اليمني شماله وجنوبه وعلى الأمن الإقليمي والدولي وما هذه الحرب المجنونة إلا أحد الأمثلة.
الحل هو مشروع إعادة إنتاج الوحدة المتمثل بالتالي كشكل أولي :
1..الإتفاق بالعودة إلى إعمال العقل للبحث عن الحل عن طريق الحوار وحده.
2.. الإتفاق التام عن معرفة بأن التاريخ لم يقف عند 22 مايو 1990م.
3.. إتخاذ الإجراءات السلمية الكفيلة بعودة الأوضاع إلى ما قبل 22 مايو 1990،
على الأسس التالية :
١- توحيد تام للمناهج التعليمية والعلمية للجامعات والدراسات العليا على أسس علمية تأخذ بعين الإعتبار التجربة المريرة للوحدة الفاشلة بالتركيز على معالجة سلبياتها في أوساط المجتمع.
٢ – حركة المواطنين بأيسر السبل مثل التنقل بالبطاقة المنظم.
٣- الحفاظ على مصالح الجنوبيين في الشمال ومصالح الشماليين في الجنوب.
٤ – أولية العمل للشمالي في الجنوب وللجنوبي في الشمال ومثلها أولوية الاستثمار.
٥.. التكامل الاقتصادي المخطط والملزم.
٦- تنسيق العمل الديبلوماسي في المحافل الدولية .
٧.. الإعتراف الملزم بكل الإتفاقيات والإعلانات الدولية التي صادقت عليها دولة وحدة 22 مايو 1990 وعلى رأسها إتفاقيات ترسيم الحدود مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان
٨..تنسيق مسائل الأمن والدفاع الثنائي أولاً وثانياً تحت مظلة أمن الجزيرة والخليج وإتفاقية الدفاع العربي المشترك « المنسية ».
٩.. العمل المشترك مع الأشقاء في مجلس التعاون الخليجي للدخول في عضويته ، التي إن تحققت سابقا لما نشبت الحرب الكارثية على الجميع.
علق الدكتور محمد جميح بهدوئه المعروف قائلاً أول جنوبي ألتقي به لديه مشروع . أو بما يعني ذلك
من أطلق هذه التسمية …إعادة إنتاج الوحدة ؟
في بدايات ثورة الشباب أو قبلها في صنعاء ، تأسس منتدى الوعي المدني وسيادة القانون ( توق ). بمبادرة مجموعة من المثقفين شماليين وجنوبيين ومن مختلف الطيف السياسي ، طبعاً بأغلبية شمالية ، إلا أن الحوار والرأي والرأي الآخر كان هو السائد وإليكم أحد الشواهد على ذلك.
في إحدى اللقاءات غير الرسمية ( بعيد إتمام الإجتماع الرسمي ).
طَرحتُ النقاط المذكورة أعلاه كحل للقضية اليمنية بشكل عام والجنوبية بشكل خاص على إعتبارها بوابة حل قضايا البلاد.
بحضور عدد من المؤسسين منهم
المفكر الإسلامي المجدد عصام القيسي.
د عبدالغني الإرياني
الأستاذ زيد الذاري
الأستاذ مطهر لقمان
الأستاذ عبدالحميد مُلهي
الأستاذ ياسين تميمي،
مباشرة بعد إنهائي لحديثي قال المفكر الشاب عصام القيسي هذا يعني مشروع إعادة إنتاج الوحدة، خلاصة الحوار لم تكن لمصلحة المشروع لأسباب وظروف مختلفة إذ لكل أسبابه.
مع ذلك قال أحد الحاضرين : في الحقيقة تفهمت لأوضاعكم ومعاناتكم وتعاطفت معكم بعد إن قرأت رواية طائر الخراب .للدكتور محمد عبدالرب سروري، هنا لم يعترض عليه أحد.
في إعتقادي أنّ واحداً من تلك الأسباب هي إنعدام الأجواء الملائمة لحرية الرأي وليس التعصب.
من حينها بدأت إستخدام هذا المصطلح، إعادة إنتاج الوحدة.
وها أنا أعترف لقائله بحقه الفكري والمعنوي شاكراً وممتنا لسعادته مشيداً بنباهته.
ناقشت الموضوع كثيراً مع شخصيات سياسية وثقافية وعسكرية الخ في صنعاء وعدن والخارج.
وجدت أن أهم أسباب رفضه من إخوة شماليين هو ذلك العامل المتمثل بعدم توافر عوامل حرية الرأي ويأتي بعده عدم الوثوق بالتنفيذ بعد عودة الأوضاع إلى ما قبل 22 مايو 1990م .أي التطنيش لما أُتِّفِق عليه.
مع إن البعض وخاصة في الظروف الحالية قالوا ولو بالإكتفاء بالنقاط الأربع .( من ١ إلى ٤ ) .
لذا أضيف هنا
ـ أن تتم الإتفاقيات تفصيليا وملزمة وبضمانات دولية وعربية صارمة تضمن عمليات التنفيذ.
ـ أن تشكل هيئات ، لجان تتابع حالة تطور الأوضاع بإتجاه تنفيذ الاتفاقيات منفردة وجماعية مقيمة تقييماً علمياً سليماً بإعمال العقل وبعيداً عن العواطف التي أودت بالوحدة اليمنية ومعها ثقافة الوحدة العربية وحتى التكامل العربي كمثال سيء ومُنَفِّر.
التقييم سنوي وكل خمس سنوات وهكذا والخمسين السنة أو الأقل أو الأكثر من عمر الشعوب لا تساوي شيئا.
لاحظوا معي لوحدة مايو 90م أكثر قليلاً من 31 سنة مرّت على مرارتها ومصائبها الكارثية الثقيلة وكأنها يوم أمس.
أتمنى أن يجد هذا المشروع مع إعتباره يأتي في إطار الذكريات لكن مع كل ذلك أعتبره مشروعي الشخصي ويمثلني وحدي لا علاقة لأي جهة كانت به بل ولا حتى أشخاص أو شخص.
أتمنى أن يمثل واحداً من مشاريع الخروج من حالة الحرب المؤسفة بما لا تدع مجالاً لتكرار المآسي فشعبنا يستحق الحياة الكريمة ، لا أن يظل مقبرة للحياة مع الأسف الشديد ولنقدم مثالاً سليماً وعمليا يحتذى به عربياً بدءاً من مجلس التعاون الخليجي.
انتهى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى