لماذا الإضراب ؟

كتب المحامي : وليد سعيد عباد
الإضراب حق يستخدمه العمال من أجل تحقيق مطالب لم تكن ضمن حقوقهم، كما هو وسيلة للتعبير عن سخط العامل وعدم رضاه عن تعامل أرباب العمل الإنساني تجاههم، ويستخدم الإضراب بالإجماع العام من قبل نقابة معينة أو عدة نقابات تشمل نفس النوع في العمل أو نقابات كل القوى العاملة أو جزء منها، ينفذ الإضراب بطرق سلمية بشرط حضور كل المضربين إلى مواقع عملهم دون استثناء وإثبات حضورهم في سجلات ودفاتر وحافظات الحضور اليومي حضورا في وقت الدوام ومغادرة في وقت انتهاء فترة الدوام دون أن يقدموا أي أعمال لأرباب العمل, وفي آخر مراحله يتم تعطيل العمل منذ بداية الدوام حتى انتهائه، ويجب أن يكون للإضراب تاثير كبير على سير الحياة اليومية الاعتيادية ليعكس قوة المطالب وضرورة تلبيتها، ومن قوة الإضرابات تفلس شركات كبيرة وتسقط حكومات وتتعثر دول كبرى في تنميتها الاقتصادية.
ظهرت الإضرابات في أوروبا بتطور الثورة الصناعية وقد أضرب العمال نتيجة طول ساعات العمل وقلة الأجرة في ظل زيادة الإنتاج الصناعي ووفرة الأرباح التي يستحوذ عليها أرباب العمل ومتنفذو الحكومة دون أن ينظر للعامل فأضرب عمال ( السكك الحديدية، ومناجم الفحم، والمصانع الكبيرة، وشركات الملاحة البحرية، والطيران، وغيرها ) من المرافق المؤثرة على الحياة اليومية ولم يتنازل العمال عن مطالبهم مع كل التهديدات الموجهة إليهم مما اضطر الحكومات إلى تنفيذ تهديداتها بالاستغناء عن رؤوس العمال وطردهم من مقار العمل وتارة بقمع المضربين وبأخرى تدريب الجيش على الأعمال ليكون البديل للعامل لتسيير العمل المطلوب إلا أن العمال لم يستسلموا ولم يتركوا مواقع عملهم مع استخدام القوة المفرطة من قبل الأمن والجيش لكل دولة مما أفشل تحركات الدول نحو قمع العمال.
لجأت الحكومات وأرباب العمل إلى الإيعاز للعمال بأن يختاروا لهم مندوبين للحوار والخروج بحلول تخدم مصلحة الطرفين ( العمال من جهة والحكومة وأرباب العمل من جهة أخرى ) فاختار العمال أكثرهم تشددا لينتزعوا حقوقهم ومع أن الحكومات وأرباب العمل قد اتبعوا أساليب ملتوية للحوار والتملص من العهود والمواعيد إلا أن ذلك لم ينجح وتمخض عن ذلك أن تم سن القوانين من قبل الحكومات لتنظيم العلاقة بين العمال وأرباب العمل وظهرت النقابات العمالية المستقلة عن الدولة وتطورت عملية انتزاع الحقوق إلى أن اختفت في دول أوروبا والدول الصناعية والمتطورة ظاهرة الإضرابات.
نحن اليوم في دولة متهالكة تنهب من قبل متنفذي الأمس وهم خارج السلطة بعد أن انتصر الشعب لنفسه منهم ولم تنته الحرب، بل الانتصار كان محصورا في معارك ولا زالت مستمرة وليس هناك ما يلوح في الأفق لانتهائها، وأمام تدهور كل شيء وأوله التعليم، وتعطيل القضاء نجد أن هناك من يدعو بل وينفذ ما يريد دون أن يرده أحد أو ينفذ له مطالبه ، مع إصرار البعض على السير قدما في تعطيل المصدر الوحيد لتنمية الوطن الذي لا يمكن الاستغناء عنه ( الموارد البشرية ) والذي معنا منه كمية كبيرة تكفي لتنهض أكبر الدول في أقل من عشر سنوات إذا ما تم تأهيل هذا الكم من البشر واستخدامه الاستخدام الصحيح بدلا من تجهيله والزج به في معارك ينتصر فيها ليتضور جوعا هو واسرته أو ليستشهد لينال من يخلفهم وسام الشحاتة تقديرا لروحه الطاهرة.
أن لدينا قانون أجور واحد فقط لكل موظفي الدولة القانون رقم ( ٤٣ ) لسنة ٢٠٠٥م شمل العامل والمهندس والسياسي والمعلم والطيار والبحار بل شمل كل طبقات وعناصر المجتمع ولا يوجد غيره سوى قانون أجور الجيش والأجهزة الأمنية وهذا ليس موضوعنا في هذا اليوم.
إن ما أقدمت عليه الحكومات المتعاقبة من تهميش لموظفي بعض الإدارات والوزارات الحكومية مثل ( التربية والتعليم والأشغال العامة والبلديات ) وغيرها، وتمييز غيرها من الإدارات والوزارات مثل ( المصافي وموظفي الحقول النفطية والطيران والموانئ ) وغيرها بحجة أنها مرافق إيرادية متجاهلين بهذا التكامل من خلال العمل فالمعلم يورد للمرافق الإيرادية الموارد البشرية ومهندس وعامل الأشغال يوفر له الطرقات ويبني له المدن وعمال البلديات يشرفون على نظافة البلد ويعتبرون الرقابة المباشرة على ما يأكله موظف المرفق الإيرادي المزعوم.
من هذا المنطلق ظهرت الفجوة الكبيرة بين هذا وذاك فذوي المرافق الإيرادية تصل مرتباتهم الدنيا كموظفين ( ٥٠٠٠٠٠ ) خمسمائة ألف والعليا تتجاوز ( ١٠٠٠٠٠٠ ) المليون ريال بينما ما يزعم أنها مرافق غير إيرادية تقبع في رواتب دنيا ( ٣٠٠٠٠ ) ثلاثين ألف وعليا تتجاوز ( ١٠٠٠٠٠ ) المائة الف بقليل هنا نقول أين المقارنة ووجه الشبه لما نراه ويحدث.
لماذا يضربون ومتى يضربون ؟؟؟
يضربون اليوم بعد حوالي ( ١٧ ) سنة من صدور قانون الأجور مع أن الزيادات في الرواتب بمسمى ( مرافق إيرادية ) قد تمت من أول يوم صدر فيه القانون بمسمى ( علاوات ) ولم يعترض المعلم ولم يعترض موظف السلطة القضائية الذي فيها القاضي يستلم مرتبا أكبر منه وهو يبذل جهدا لا يقل شأنا عن القاضي وطوال الفترة الماضية كان يتغنى هذا قاض، وذاك سعيد يعمل في المصفاة وفلان ذهب ليعمل في صافر وغيرها من المواقع متجاهلا نفسه ومستنقصها وكأنه خلق ليكون أدنى مرتبة من الغير وأن جهده لا يساوي الأموال، بل استحسن الشكاء والبكاء على أن يناضل من أجل حقوقه المغتصبة
أمام التدهور الغير متوقع للعملة المحلية والتأثير السلبي لما شهدته المرحلة من الحكومات والحكام السابقيين، إلى جانب التحرك السريع من أجل احتواء الأزمات من قبل مجلس القيادة الرئاسي وظهور أدنى حد من نتائجها في فترة قصيرة مقارنة إلى ما تم تخريبه في الأعوام من ٢٠١٥م وحتى يومنا هذا نجد الأصوات التي صمتت في أعوام ضحى فيها شباب في ربيع أعمارهم بأرواحهم ليعيش من يأتي من بعدهم في رخاء وسلام وفي زحمة انعدام كل شيء من ( مياه وكهرباء وأسماك ) وارتفاع في أسعار ( الخضار، واللحوم، والمواد الغذائية الرئيسية ) ليصل كيس الدقيق خمسين كيلوا براتب شهر ونصف للمعلم وكذلك الأرز والزيت وغيره، ومع انتشار ( بحيرات الطفح لمجاري الصرف الصحي ) ظهرت اليوم هذه الأصوات لتعطل الحياة نكاية بالمواطن والطفل والمرأة الذين لا ذنب لهم مما جرى تحت مرأى ومسمع من يضرب اليوم.
إن إقالة النقابات أو من يطلقون على أنفسهم نقابات متحورة ومتلونة بألوان الطيف والتي لم يسمع أزيزها سوى اليوم يعتبر واجبا وطنيا ، وتشكيل لجان لا تخلوا شدة عن اللجان العمالية الأوروبية لتنتزع حقوق كل مظلوم من طبقات المجتمع العاملة سواء كان المعلم أو القاضي أو موظف السلطة القضائية أو المسحوقين الذين لم يوعز لهم ليتحركوا ليشمل الكل دون استثناء.
يجب أن لا نقف لننظر إلى أجور مصفاة عدن ولا الموانئ ولا الكهرباء لأنها هي كذلك أصبحت غير مجدية في ظل تدهور العملة.
كما يجب على اللجان العمالية المقترح تشكيلها التأكيد أنه يجب أن تعالج القضية الاقتصادية تزامنا مع الحلول السياسية والعسكرية حتى يضمن المواطن حياة مستقرة ولو نسبيا في ظل الأزمات المتتالية.
ودمتم
