رحلة في عالم التواصل إحالة

كتب : فاطمة امزيل
منذ البدء، استعمل الإنسان كل طاقته لتحقيق التواصل الاجتماعي والكوني، وعمل على التكيف مع كل التغيرات الذاتية والاهتمامات الموضوعية، والإبداع لتقديم الأحسن والأفضل للمجتمع الإنساني.
اخترع الكتابة ودرس الكون وأقام حضارات عظيمة وصلتنا وأخرى لم تصلنا، وتعلق بأسرار الكون وتعرف على أنواع العلوم والمعارف، ليتمكن من فهم عالمنا وأسراره، وتطويره حسب ما يستحقه الإنسان من رفاهية دنيوية، ورقي العيش، ويسر الحياة، فظهرت عدة ابتكارات واختراعات أثرت في حياته وجعلته يتقبلها ويألفها.
وليس بعيدا، جاء التلفاز، فانزعج الناس منه، ثم استأنسوا وتأقلموا معه، فأصبح التعود عليه كالتعود على شرب البن، فيه مرار، لكن فيه نشوة ومتعة.
وبما أن البشر ميال إلى الاختلاف والتغيير، فقد جاءت موجة جديدة لمخترع جديد هو الصحون الهوائية أو ” البرابول”، التي تلتقط الإرسال عبر الأقمار الاصطناعية، فكانت الكارثة العظمى، إذ أثير جدل كبير حول شرعيتها وعدم شرعيتها، خاصة في العالم الإسلامي. فقد أصبح العالم بفضلها كبيت صغير كل ما يدور في غرفه مكشوف للجميع وإن أغلقت الأبواب.
البارابول، مكن المشاهدين على التلفاز أن يدخلوا أي غرفة من غرف هذا البيت الصغير، ومعرفة طيبها وخبثها، وما يفعله الناس من حلال أو ما يقترفونه من حرام.
الصحون الهوائية كانت خلية عسل حلو-مرّ، ومقياس حلاوتها ومرارتها توزن بما تقدمه على صحون من ذهب أو على أواني من فخار.
كانت المواد التي يحتويها البرابول بداىة واعتقادا، في أغلبها، مبرمجة لقصف الشباب وإغوائهم، وهدم الأخلاق ومحاربة العقيدة، لكن، بعد حملة المواجهة والتصدي، بدأ المشاهدون يتقبلون هذه الموجة العارمة، وينتقون ما تشتهيه الأنفس، وما يسقي ميولاتهم، فانتشر مبدأ الحرية في انتقاء البرامج واختيار المواضيع. هكذا، أصبح البرابول في متناول الجميع، بعد أن كان مستعصيا اقتناؤه على الكثيرين.
وبعد أن استثب الأمر للبرابول، ظهر الكمبيوتر أو ما يسمى بالإنترنت أو الشبكة العنكبوتية، ثم الهاتف المحمول، الذي حول الحياة إلى رُكون.
الهاتف المحمول الذي جمع كل أنواع التواصل الاجتماعي المقروء والمرئي والمسموع، ودفن في ثناياه عوالم أخرى عجيبة وغريبة لا يحسن معاقرتها إلا المتخصصون والمتغورون في عالم الإنترنت، التي تتعلق بالأقمار الاصطناعية.
لقد غير السلكي ثم اللاسلكي وعالم الذرات كل العالم وكل حياة الإنسانية. لتتطور شبكة الإنترنت ويتمكن المستخدم لها من أن يتلقاها عبر جهاز صغير يسمى ال WiFi الذي يتوزع منه الإنترنت على مساحة تمكن مجموعة متقاربة من الناس من استغلالها إما في بيت أو في مقهى او في أي مكان عام، بعد ان كانت شخصية، تشحن على شريحة الهاتف النقال للاستعمال الشخصي، حتى ظهرت إمكانية مشاركتها على المدى القريب، ليحل الـ WIFI المشكل، فيصبح الإنترنت عامة وتستغل من طرف الكبير والصغير، والغني والفقير، والعالم والجاهل، وتستعمل كوسيلة ترفيه تثقيف وتعلم وتدريس وتجارة وكل مهام ومقاصد الحياة البشرية.
هذا ليس هو كل شيء، هناك الكثير مما لم يصلوا إليه بعد، وهناك الكثير من الجزئيات الصارخة والمروعة التي يستعد لها العقل والوجدان البشري، والتي مازالت محدودة الانتشار، كالذكاء الصناعي الذي سيكون سجن البشر ونهاية إبداع خلاياه الدماغية، إذ سيفرغ الإنسان ما في جعبته، ويصاب بالعجز والخمول، فتكون نهاية الإنسان كبدايته.
