إدمان التشتت وعلاقته بالإنترنت

كتب:
م. رناء كمال مصطفى
لدى الكثير منَّا مشاريع وأهداف نرغب في تحقيقها، قد يكفي العمل عليها ساعةً و احدة يومياً لإنجازها، ورغم أنه من السهل توفير ساعة واحدة من يومنا، إلا أن معظمنا غير قادر على عمل ذلك بسبب ضعف القدرة على التركيز وإدمان التشتت وسرعة الملل.
إن الإنترنت لا يساعدك على التركيز والتعمق في شيءٍ واحدٍ، بل على العكس فهو يشجعك على التشتت والتنقل السريع بين الصفحات نتيجة وجود تلك الروابط الكثيرة في كل صفحة التي تدعوك للنقر عليها لعمل شيءٍ آخر غير الاستمرار في القراءة مثلاً، والعقل البشري بدوره فضولي جداً ويحب التعرف على الأشياء الجديدة باستمرار، فينجر وراء تلك المغريات وينتقل من موضوع لآخر بسرعة. و المشكلة تكمن في القفز والتنقل السريع بين المواضيع.
إن أي معرفة تتطلع عليها يقوم عقلك بحفظها أولاً في الذاكرة قصيرة الأمد في (Short-term Memory)، ثم تنتقل ببطء إلى الذاكرة طويلة الأمد (Long-term Memory)، وتلك المعرفة المحفوظة في الذاكرة طويلة الأمد هي التي تبقى معك وتستطيع الاعتماد عليها لاحقاً في عملك ودراستك وحياتك.
تكمن المشكلة حينما تنتقل بين الموضوعات المختلفة بسرعة، فإن عقلك لا يستطيع نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد، وبالتالي تخسر الكثير مما تقرأه، وهذا السبب وراء نسيان الكثير مما تقرأه على الانترنت، وسبب شعورك بالتشتت وضعف التركيز.
هذه فقط مخاطر صفحات المواقع العادية على الإنترنت، فما بالك بمخاطر مواقع التواصل الاجتماعي!!
من الممكن أن تقدم لك مواقع التواصل الاجتماعي مثل (يوتيوب وفيسبوك وانستجرام…) أدواتها من غير مقابل مباشر، ولكن لا يعني أنها تقدمها مجاناً، بل تقدمها مقابل جزء كبير من تركيزك وانتباهك، في صراع محتدم ما بين الشركات والمواقع للاستحواذ على تركيزك ووقتك حتى يعرضون عليك أكبر قدر من الإعلانات، فإذا كنت تقضي ساعةً من يومك على “اليوتيوب”، فإنك في هذه الساعة سترى 20 إلى 30 فيديو، لأن ذلك يعني عرض عدد أكبر من الإعلانات، وبالتالي ربح أكبر. ستجده يغريك بفيديوهات مقترحة في كل مكان، ولذلك فإن متوسط وقت المشاهدة لمعظم الفيديوهات على “اليوتيوب” لا تتعدى دقائق قليلة، الأغلبية العظمى لا تكمل الفيديوهات التي تبدأ بمشاهدتها.
على الرغم مما قلناه عن “اليوتيوب” فهو أفضل حالاً من باقي مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا كانت فترة الانتباه على “يوتيوب” تقدر بالدقائق فإنها على “فيسبوك” و”انستجرام” تقدر بالثواني، فلو تأملت أي شخص يستخدم هذه المواقع ستجده كل عدة ثوانٍ يحرك أصبعه على الشاشة حتى يرى منشوراً أو صورة جديدة، وهو فعلياً لا يركز مع كل منشور غير ثوانٍ معدودة، غير أن هذه المنشورات عادةً ما تكون متنوعة جداً، منشور ساخر وآخر ديني و خر سياسي وهكذا.. فنحن فعلياً نجعل عقولنا تقفز كل عدة ثوانٍ بين موضوعات مختلفة تماماً، وهذا يعتبر تدريباً مكثفاً للعقل على التشتت وعدم التركيز، والذي بدوره يبقى تأثيره السلبي معنا في العمل والدراسة.
هناك عدة حلول قام بوضعها المختصون للتخلص أو التقليل من إدمان التشتت، نذكر منها النصائح الآتية:
النصيحة الأولى: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى):
اكتب قائمة لكل المواقع التي تأخذ جزءاً كبيراً من وقتك يومياً، وبعدها مُر على كل عنصر في القائمة، سائلاً نفسك الأسئلة الآتية:
هل يضيف هذا العنصر قيمة أو منفعة واضحة في حياتك؟ (إن كان لا، فقم بحذفه وإن كان نعم، انتقل إلى السؤال التالي):
هل هذا العنصر هو أفضل وسيلة للحصول على هذه المنفعة؟ (إن كان لا، فقم بحذفه وإن كان نعم، انتقل إلى السؤال التالي):
هل تستخدم هذا العنصر بأفضل طريقة لتحقيق هذه المنفعة؟ (إن كان لا، فقم بحذفه وإن كان نعم، فأبقِ عليه).
إذا لم تكن صادقاً في الإجابات عن الأسئلة السابقة، فهذا يعني أنك لا تساعد نفسك، وإذا لم تستطع مساعدة نفسك فلن يستطيع أحد مساعدتك.
النصيحة الثانية: (تخلص من فوبيا فوات الأشياء):
أصبحنا نشعر بضرورة زائفة لمتابعة الأحداث أولاً بأول، وإذا انقطعنا عن الإنترنت لفترة طويلة نشعر أنه سيفوتنا الشيء العظيم الذي لا يمكن تعويضه، وهذا شعور زائف نتج عن إدمان التفحص المستمر للإنترنت، وحتى تقضي على هذا الشعور عليك باتباع الآتي:
* قضاء يوم كامل بهاتف قديم ليس به اتصال بالإنترنت.
* قضاء بعض المشاوير دون اصطحاب الهاتف الذكي.
* إغلاق أحد حسابات مواقع التواصل الاجتماعي لعدة أيام.
النصيحة الثالثة: (اتبع نظام جلسات العمل):
اختر شيئاً واحداً للعمل عليه لفترة زمنية محدودة من 15 إلى 30 دقيقة حسب قدرتك، لا تقم بعمل شيء غير اشتغالك على الشيء المحدد فقط.
النصيحة الرابعة: (كن واعياً بحجم المشكلة):
كان من المفترض أن أبدأ بها ولكني تركتها في آخر المقال، لعلك تتذكرها بشكلٍ أو بآخر، معظم البشر بكل أسف لا يحسنون تقدير الأمور التي تأخذ فترة طويلة من الزمن. من السهل جداً أنك تقلل من حجم مشكلة ضعف التركيز إذا لم يكن لها ضرر كبير عليك على مستوى اليوم، لكن خلال سنوات من الممكن أن يكون الفارق كبيراً بين إنسان ناجح وبحالة مادية ومعنوية مرتفعة، وبين إنسان محبط يشعر أن سنين العمر ضاعت دون أي إنجاز يذكر.. فكن واعياً بحجم المشكلة عزيزي القارئ.
