هل نحن مع الانتقالي في تحولاته السياسية أم ضدها؟

كتب:
صائل حسن بن رباع
خطاب عيدروس الزبيدي في مجلس الأمن، الذي كان أشبه بمن يرمي حجرًا في مياه راكدة، لن يمر دون إثارة حوار مجتمعي عميق. البعض يحتفى به لأنه يرى في تحولات المجلس الانتقالي الجنوبي نوعًا من النضج السياسي، بينما أولئك الذين ما زالوا يعيشون على آمال الإستقلال الناجز، يعتبروه خيانة للمبادئ التي أشعلت جذوة الحراك الجنوبي من الأساس.
دعونا نكن واقعيين، فنحن لا نعيش في عالم الأفكار المثالية، بل في عالم يحكمه التوازن الدقيق بين المصالح المتغيرة.
المجلس الانتقالي، رغم أنه دخل الساحة السياسية مرتديًا ثوب الحلم الثوري، إلا أنه بات الآن يفهم اللعبة جيدًا. لقد استبدل الشعارات بفهم أعمق للمشهد الدولي، وأعاد ترتيب أولوياته، لأنه فهم أن الحياة ليست قصيدة ملحمية بقدر ما هي رقصة براغماتية بين الأمل والواقع.
الأولويات الآن باتت واضحة:
1- هزيمة الحوثي أو احتواؤه سياسيًا.
2- إيجاد صيغة يمنية اتحادية مستقرة، تتيح للجنوب حكمًا ذاتيًا مع تمكين الانتقالي من السيطرة عسكريًا وسياسيًا. خطوة قد تبدو مستفزة للثوريين، لكنها ضرورية لمن يفهم تعقيدات الميدان.
3- إنقاذ الجنوب واليمن من المستنقع الاقتصادي، وهو التحدي الذي يفهمه من يحاول بناء دولة، وليس فقط إذكاء شعلة الثورة.
4- التغلغل في مؤسسات الدولة العميقة، كتحضير لاستعادة السيطرة الحقيقية على مستقبل الجنوب.
وهنا تظهر المفارقة: مسألة استعادة الدولة، ذلك الحلم الذي أُثيرت حوله الخطابات العاطفية، قد أُجلت إلى وقت لاحق، وربما لجيل قادم. هل هي حكمة؟ أم استسلامًا؟، أم استعدادًا لمواجهة ما هو أعقد من الشعارات؟
وبينما يظن البعض أن تغيير المسار يعني التخلي عن المبادئ، فإن الحقيقة هي أن البراغماتية ليست العدو، بل هي الحليف الحقيقي لكل من يريد أن يبقى على قيد الحياة في مشهد سياسي لا يرحم من يتمسك بالجمود.
المعضلة الأكبر، كما هي الحال دائمًا، تكمن في الخطاب الإعلامي. كيف تقنع الجنوبيين، الذين وعدتهم بعودة الدولة، أن الأمر ليس كما تخيلوه؟ كيف تقدم لهم البراغماتية على أنها مرحلة من مراحل الخلاص؟ هذا هو التحدي الحقيقي؛ أن تُقنعهم بأن “العافية درجات”، وليس قفزة واحدة نحو المجد.
يجب أن لا ننسى، أن المجلس الانتقالي هو كيان غض. مثل كل الكيانات الجديدة، يعاني من بعض “المراهقات السياسية” إن صح التعبير، ومن أوهام التفرد بالسلطة. وسيستغرق الأمر سنوات حتى يتعلم الانتقالي أن القيادة ليست بطولة فردية، بل مسؤولية تشاركية.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن مع الانتقالي في هذه الرحلة البراغماتية، أم ضدها؟ في نهاية المطاف، قد يكون الحكم الحقيقي على المسار هو في الأهداف المحققة، وليس في النوايا.
