لنمنح كتابتنا شعوراً جميلاً

كتب :
ليان صالح
عادةً ، ونحن ندبج الشهادات أو نترصد شوارد الكلام لتأثيث نصوصنا الإبداعية، لاتستهوينا فكرة الكلام أو الحديث عن تجاربنا كمبدعات إلا من خلال حضور حالتي البكاء والحزن، وتضخم الإحساس بقدر مفجع يترصدنا، وبانفجار نبرةٍ كافكاوية تغلف كلماتنا، وبانهمار صوت أنثوي دائم التذمر والشكوى من سلطة بطريكية وظلم وإقصاءٍ ذكوري، سواء كان أباً أو زوجاً أو أخاً أو ناقداً، عيرنا بضعفنا وبتقوقعنا في ذواتنا هرباً من الواقع، وبتجاهلنا لقضايا إنسانية كفيلة بحرف متاريس أنانيتنا.
صحيح أننا كنا في البداية متعطشات للبوح ولرفع معاناتنا بالشكوى ولملمة أشلاء ذواتنا المتشظية، بعد وقت من التغييب والإلغاء، لدرجةٍ غدا الرجل محور اهتمامنا والكوكب الذي تحوم في فلكه كل انكساراتنا وهزائمنا وخيباتنا وأحلامنا وسعادتنا وألمنا، لكن هذه النبرة أو اللغة بدأت تتسخ من كثرة الاستعمال وآن الأوان لتقمص دورٍ آخر غير دور الضحية، وطرح اسئلة جديدة كسؤالَي الإبداع والجمال في أبهى تجلياته، والتفكير في استعادة إنسانيتنا المسلوبة في ظل سطوة المال وغطرسة عصر السرعة وضجيجه، وإن استلزم الأمر أحيانا الكتابة بنبض الأنثى المنتشية بإبداعها وخصوصياتها، دون الخوف من السقوط في فخ التصنيفات الواهية، آن الأوان لتجديد علاقتنا بالكتابة لتغدوَ علاقة انتشاء وحرية ومتعة، بعدما كانت علاقة ألم وبكاء وشكوى.
ولنحرر أنفسنا من الخزعبلات التي عشناها كي يتحرر قلمنا، ولنمنح كتابتنا إحساساً جميلاً نستلذ به، ولنمارس الكتابة تمردنا الهادئ والراقي، تمرد ضد صمت الواقع وزيفه وابتذاله، وضد عادات وتقاليد بالية كبلتنا وأرهقتنا، قيم ومعتقدات مترهلة، وضد عينٍ ذكورية طالما تجاهلتنا، ولنمارس حقنا في المتعة والغبطة والشوق في حضن كتابة لاتضيق بمواهبنا وإبداعاتنا وجنوننا، فالعالم ينزع إلى الجمال، فلنحتفِ بالجمال، بذواتنا بإنسانية الإنسان، ولنجعل كتابتنا ناراً تلتهم قارئها عند كلّ إطلالةٍ لنا، ولا بأس وإن تماهينا في عشقنا السري في كهف مهجورٍ قصي خيانة لصخب المدن تلك التي تنوي وأدنا، تنعشنا فقط مزهريات الدهشة، تسكننا رعشة المستحيل، يألف بيننا تناغم خفي يذيب كلّ تناقضاتنا وفوضانا وشطحاتنا، ولنمارس عشقنا السري باللمح والإشارة خيانةً لكلّ تصريح أو وضوح.
واغفري لي أيتها الكتابة إن استحضرتُ أصواتاً وأصداءً محجوبة وروائح تتسرب من بين شقوق الزمن، ليس خيانة لك، فقط كي يسري في شرايين عشقنا دم متجدد، متحرر، خيانة لكلّ رتابةٍ وجاهزية ولكل ضجرٍ وملل، ولايهم أن نقيم عقداً يثبت شرعية علاقتنا، فعقدنا صدق ينطلق من القلب ليصلَ إلى القلب، عقدنا صفاء نقيم فيه، حرية ننتزعها بهدوء.
عقدنا نرفاناً نعرج إليها، عقدنا وعد صريح بعدم الهجر والمجافاة، عقدنا إصرار على مقاومة غربة الذات وعزلتها.
