مقالات

الوطن يرتكز على المصالح العامة

كتب:
جميل علي الحميدي

تغدو الممتلكات العامة مرآة كبرى، تعكس صدق القلوب أو دناءة النوايا، تكون شاهدة على صعود الأمة أو سقوطها، فإن حُميت فهي شهادة نزاهة، وإن نُهبت فهي وثيقة خيانة.

حين تتحول أدوات الدولة ومقدرات الناس إلى رهائن لدى نزوات الأفراد، وتغتصب المدارس، والمستشفيات، والحدائق، والطرقات، بدافع غضب أو حقد، فذلك ليس عدواناً على طوب وحجر، بل عدواناً على الأمل في صدور الأبناء، وعلى الدروس في ألواح الفصول، وعلى الدعاء في زفرات المساكين.

نعم، المصالح العامة ليست جدراناً صامتة، ولا أرصفة بلا ذاكرة، إنما هي مساحات مشتركه تسكنها أرواح الجميع، وتحمل على جدرانها بصمات وطن بأكمله، ومن يعبث بها كمن يكسر يد أمه، أو يحرق غصن شجرة أطعمت أسرته، كمن يصادر أنفاس طفل لم يولد بعد.

وما يزيد الجرح اتساعاً، هو ذاك الصمت الذي ينمو كالطحلب على جدران الخوف، وذاك الحياد المغلف برداء العقل، وهو في الحقيقة تخاذل لا يليق.
فمن رأى الجريمة ولم ينكرها فقد باركها دون أن يدري، ومن راقب الخراب ولم يمنعه فقد شارك في بناء الدمار.

إننا لا نحتاج خطيباً مفوهاً يجلجل صوته في الطرقات، نحن نحتاج ضميراً يسهر حين ينام الجميع، ووعياً ينمو في العقول قبل أن يزرع في الساحات.

الوطن لا تحميه الأسوار العالية، ولا ترفعه شعارات تذروها الريح، بل يصونه مواطن نبيل، يقدس ما لا يشترى ويحرس ما لا يملك وحده. العام ليس مباحاً بل أمانة، والخاص ليس مقدساً بل مسؤولية، فلتكن لكل يد حارس، ولكل عين يقظ، ولكل قلب وطن، ولنوقن جميعاً أن التخلي عن حماية المصلحة العامة ليس فقط غفلة، بل إسهام في صناعة الانهيار.
ومن باع ذاكرة المكان، أفقد الأجيال هويتهم، ورمى بالوطن في العراء.
فلنكن كما يليق بالوطن، لا شهود صمت، بل صنّاع كرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى