مقالات

الطاقة لمن استطاع إليها سبيلا..!

كتب: علي محمد سيقلي

في بلدٍ يطفئ مواطنوه المراوح قبل النوم توفيرًا لما تبقى من بطارية، قررت الحكومة اليمنية أن تحتفل بالطاقة.
الطاقة نفسها التي لا يراها الناس إلا في نشرات الأخبار، أو في صور المؤتمرات المكيفة، حيث يجلس المسؤولون تحت أضواء لا تنطفئ، يتحدثون بثقة عن “الاستدامة” بينما الشعب يتصبب عرقًا في عتمة لا تنتهي.
عدن، المدينة التي تحولت فيها الكهرباء إلى ذكرى موسمية، استضافت “المؤتمر الوطني الأول للطاقة”، وكأن البلاد تعيش فائضًا كهربائيًا يحتاج فقط إلى خطط تصدير.
مؤتمر كامل عن الطاقة، في دولة بات المواطن المحظوظ فيها يشحن هاتفه
بالإستعانة بصديق.
المثير للسخرية أن الحكومة أعلنت 2026 “عامًا للطاقة”، بينما 2025 نفسها لم تستطع إنقاذ مروحة عجوز تختنق من الحر، ولا ثلاجة مواطن أفسدت العتمة ما بداخلها، ولا مستشفى يصارع الانقطاع كما يصارع المرضى الموت.
أي طاقة هذه التي يتحدثون عنها؟
هل يقصدون طاقة الناس على الصبر؟
أم طاقة المواطن على تحمل الكذب الرسمي؟
أم طاقة الأمهات اللواتي يلوحن بالكرتون لأطفالهن طوال الليل لأن الكهرباء قررت أخذ إجازة مفتوحة؟
اليمن بلد نفطي وغازي، وهذه ليست نكتة.
بلد يمتلك من الثروات ما يكفي ليعيش مواطنوه بكرامة، لكن المشكلة أن الثروة هنا تشبه الأيتام… الجميع يتحدث عنها، ولا أحد يراها.
الغاز يُباع، والنفط يُشحن، والعقود تُبرم، والمؤتمرات تُقام، والوفود تُصفق، أما المواطن فحصته الوحيدة من كل ذلك هي المزيد من الحر، والمزيد من الظلام، والمزيد من بيانات “الإنجازات التاريخية”.
الدولة عندنا لا تكذب كسياسي محترف، بل تكذب كما يتنفس اللصوص بعفوية كاملة، ودون شعور بالذنب.
تحدثك عن مشاريع استراتيجية، بينما أقرب مشروع يراه المواطن هو تمديد “سلك اشتراك” من حارة إلى حارة.
تعلن خطط التعافي، بينما الناس تعافت أصلًا من فكرة وجود دولة.
تقيم مؤتمرات للطاقة المتجددة، بينما المواطن يبحث فقط عن ساعتين كهرباء “غير متجددة”.
في الدول الطبيعية، تُقام مؤتمرات الطاقة لبحث المستقبل.
أما هنا، فتُقام لتغطية عجز الحاضر.
كل شيء في المشهد يبدو مستفزًا:
الفنادق الباردة، القاعات المضاءة، الولائم، البدل الرسمية، الكاميرات، الكلمات الرنانة، بينما في الخارج هناك شعب كامل ينام فوق أسطح المنازل هربًا من جحيم الغرف المغلقة.
أي مفارقة أكثر قسوة من أن تتحدث حكومة عن الطاقة النظيفة، فيما المواطن لم يعد يجد حتى غازًا يطهّي به طعامه؟
حتى الغاز المنزلي، الذي كان يومًا من أبسط حقوق الناس، تحول إلى أزمة، وإلى تجارة سوداء، وإلى حلم يحتاج “واسطة”.
أما الكهرباء، فقد أصبحت كائنًا خرافيًا، يسمع الناس عنه أكثر مما يرونه.
الحكومة لا تبدو منشغلة بحل الأزمة بقدر انشغالها بإقامة فعاليات تتحدث عن الأزمة.
وكأن المطلوب من المواطن ألا يطالب بالكهرباء، بل أن يكتفي بحضور الندوات التي تشرح له لماذا لا توجد كهرباء.
ثم يخرج المسؤولون بابتسامات واثقة ليحدثونا عن “الرؤية الوطنية للطاقة”.
أي رؤية؟
والمواطن لم يعد يرى شيئًا أصلًا من شدة الظلام؟
المشكلة ليست في عقد مؤتمر، بل في تحويل معاناة الناس إلى خلفية بروتوكولية لصورة جماعية.
المشكلة أن السلطة تتعامل مع الانهيار وكأنه مجرد مناسبة إعلامية قابلة للتصوير والتصفيق.
وفي النهاية، سيعود المشاركون إلى غرفهم المكيفة، وستُطفأ شاشات المؤتمر، وستبقى عدن كما هي… مدينة تحترق بالحر، وتعيش على وعود كهربائية أكثر من عيشها على الكهرباء نفسها.
أما المواطن، فسيواصل ليلته الطويلة، مستلقيًا تحت سماء مفتوحة، يراقب النجوم لأنها الشيء الوحيد الذي ما زال يضيء مجانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى