مقالات

عدن تحترق… فمن يطفئ هذا الجحيم؟

كتب: علي سيقلي

في عدن لم تعد الشمس تشرق كل صباح، بل يهبط الجحيم من السماء على هيئة نهار طويل لا ينتهي.
مدينة كاملة تتقلب فوق صفيح ملتهب، بينما يتعامل المسؤولون مع المأساة وكأنها نشرة طقس عابرة لا تستحق أكثر من تصريح بارد أو وعد مؤجل. هنا لا يتحدث الناس عن درجات الحرارة بقدر ما يتحدثون عن عدد الذين سقطوا تحت وطأتها، وعن كبار السن الذين لم تعد أجسادهم الهزيلة تحتمل هذا الامتحان اليومي القاسي، وعن أطفال ينامون وهم يلهثون من شدة الحر ويستيقظون على العرق والاختناق.
في الأحياء الشعبية، تحولت المنازل إلى أفران مغلقة. الجدران تبث النار، والأسقف تلسع الرؤوس، والكهرباء التي يفترض أن تكون طوق النجاة أصبحت ضيفًا عابرًا لا يكاد يصل حتى يغادر. المواطن العدني لم يعد يسأل متى ستأتي الكهرباء، بل أصبح يسأل: كم ساعة سنصمد هذه المرة قبل أن ينهار أحد أفراد الأسرة من الإعياء؟
كبار السن يتساقطون الواحد تلو الآخر. أجساد أنهكتها السنوات، ثم جاءت موجات الحر لتخوض معها معركة غير متكافئة. بعضهم لا يحتاج إلى مرض قاتل، فحرارة الجو وحدها أصبحت كافية لتسلبهم ما تبقى من قدرة على الاحتمال. أما الأطفال، أولئك الذين يفترض أن يكون الصيف بالنسبة لهم موسم لعب وفرح، فقد تحول عندهم إلى موسم بكاء وتعب وعطش دائم.
وفي وسط هذه المأساة، يقف المواطن متسائلًا: أين الحكومة؟
أين أولئك الذين يتقاضون الرواتب والمخصصات ويتحدثون باسم الناس؟ أين خطط الطوارئ؟ أين الحلول الإسعافية؟ أين المسؤول الذي يشعر بأن بقاءه في منصبه مرتبط بمعاناة هذا المواطن الذي يحترق كل يوم؟
ثم يرفع المواطن رأسه نحو السلطة التي تدير المشهد على الأرض، متسائلًا بدوره: أين الحاكم العسكري؟ أين الأجهزة التي تمتلك النفوذ والقرار؟ هل وظيفتها فقط إصدار التوجيهات الأمنية بينما يموت الناس اختناقًا وعجزًا وحرارة؟
عدن اليوم لا تحتاج إلى خطب سياسية، ولا إلى بيانات مطولة، ولا إلى تبادل للاتهامات. عدن تحتاج إلى كهرباء تحمي أرواح الناس. تحتاج إلى إدارة تدرك أن الحر ليس مجرد إزعاج موسمي، بل كارثة إنسانية حقيقية. تحتاج إلى مسؤول ينزل من مكتبه المكيف ليقضي ساعة واحدة فقط داخل أحد المنازل التي تحولت إلى صناديق نار، عندها ربما سيدرك حجم الكارثة التي يعيشها الناس.
المؤلم أن سكان عدن لم يعودوا يطالبون بالرفاهية، ولا بالأحلام الكبيرة. كل ما يريدونه هو الحد الأدنى من الحياة. قليل من الكهرباء، قليل من الماء، وقليل من الشعور بأن هناك دولة أو سلطة أو مسؤولًا يتذكر أنهم بشر.
لكن يبدو أن المدينة تُركت وحيدة في مواجهة الشمس.
الشمس التي لا ترحم.
والكهرباء التي لا تأتي.
والمسؤول الذي لا يسمع.
أما المواطن، فقد أصبح كعادته آخر من يُسأل عنه، وأول من يدفع الثمن.
وفي عدن، حين يجتمع الحر مع العجز والإهمال، لا يعود الصيف فصلًا من فصول السنة، بل يتحول إلى حكم يومي بالعذاب.
في عدن لم يعد المواطن يسأل عن مشروع وطني لدولة محترمة، ولا عن خطط استراتيجية، ولا حتى عن مستقبل الأجيال القادمة. كل ما يريده أن ينجو من يومه الحالي، وأن يعبر نهارًا واحدًا دون أن يختبر معنى الشواء البشري داخل منزله.
أما المستقبل، فقد قرر تأجيل التفكير فيه إلى حين عودة الكهرباء برفقة حكومتها.. إن عادت أصلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى