مقالات

مليونية ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي.. رسائل الشارع والسياسة في مواجهة تحديات الراهن..!

كتب: حافظ الشجيفي

تستوقف الناظر في سجلات التاريخ شواهد لا تمحى من سيرة الشعوب، حيث لا تمثل التواريخ مجرد أرقام صماء تتوالى على تقويم الزمان، بل تمثل محطات قاطعة تختزل كبرياء الشعوب وتختبر إرادتها في البقاء. وتأتي دعوة المجلس الانتقالي الجنوبي لإحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، في الفاتح من سبتمبر 1971 حين تخرجت الدفعة الأولى من الكلية العسكرية في منطقة صلاح الدين بمدينة عدن، لتضع هذه الدعوة المتابع أمام لحظة فارقة تتجاوز حدود الاحتفال المعتاد بالمناسبة إلى آفاق القراءة السياسية الواعية. ولعل التدقيق العميق في ثنايا هذه الدعوة يستلزم مناصحة النفس قبل الوقائع، حيث تنجلي أمام البصر والبصيرة دلالات رمزية وعسكرية بالغة التعقيد، تتقاطعان عند لحظة حبلى بالتطورات والدواعي الحذرة في المشهد الجنوبي الراهن.
فإذا طالعنا الشق التاريخي لهذه الخطوة، نجد أن الغرض الجوهري يكمن في وصل ما انقطع بين الماضي والحاضر، وتحديداً بين عقيدة القوات المسلحة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وبين التشكيلات الجنوبية الحديثة، بغية توثيق أصل الوجود وتأكيد شرعية المطالبة باستعادة دولتنا المتكئة على إرث مؤسسي قديم. فالذاكرة الجنوبية تستعيد بعمق مرارة التحولات الصعبة التي أعقبت اتفاق الوحدة عام ألف وتسعمئة وتسعين، وما تلا ذلك من تداعيات حاسمة إثر حرب صيف ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين، التي تمخض عنها إبعاد ممنهج وتسريح شامل لشرائح واسعة من الكوادر والقيادات العسكرية الجنوبية من الجيش مما أورث شعوراً بالغبن التاريخي بات يمثل الدافع الأساس لتأكيد أن التشكيلات الحالية ليست مجرد قوى طارئة اقتضتها ظروف المرحلة، وإنما هي الامتداد الطبيعي والموضوعي لمؤسسة عسكرية كانت ذات يوم رقماً صعباً وحاضراً في موازين القوى داخل المنطقة الاقليمية ان لم اقل والعزبية برمتها.
وعلى المستوى السياسي الحاضر، تغدو الفعالية المليونية المزمعة اقامتها في الاول من شهر سبتمبر القادم بمثابة أداة قياس دقيقة لوزن الشارع ورسالة مفتوحة الأبعاد، لإبراز قدرة التعبئة الشعبية كمؤشر على التفويض وتجديد للعهد الجماهيري الذي لم تفت في عضده خطوب الزمن، بل إن المحاولات المتكررة للالتفاف على تطلعات هذا الشارع أدت إلى نتائج عكسية تماماً، حيث ازداد الإصرار صلابة، واكتسبت الرغبة الجماهيرية عمقاً وشمولاً يتجاوزان التخمينات البسيطة. وهنا تتجه الرسالة بوضوح وتجرد نحو الإقليم ودول التحالف العربي وكذا القوى الدولية، بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من مراعاة الإرادة الشعبية الصريحة، وأن رسم الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب، بما يشمل حضرموت والمهرة، يتطلب استيعاب واقع الميدان ورفض أي صيغ تحاول إعادة إحياء منظومات النفوذ القديمة تحت أي لافتة كانت.
ولا ينفصل البعد الداخلي عن هذه الحسابات، فالشارع الذي يمر بلحظات من الاحتقان والترقب يسعى من خلال هذه الفعاليات للبحث عن طمأنينة وإعادة بناء جسور الثقة المتبادلة مع قيادته السياسية، متسلحاً بأدوات الضغط السلمي التي تثبت دورها التراكمي جنباً إلى جنب مع الحضور العسكري والسياسي وان لم يجن الوقت الراهن صالحا لتفعيله. فالاستحداث المتزن للأوراق الشعبية يمنح الحراك قدرة إضافية على إعادة ضبط المسارات في الأوقات الفاصلة، مما يجعل التفاعل الشعبي والجماهيري مع هذه الدعوة قضية ذات أولوية تفرضها مقتضيات الواقع ومعطياته.
ومتى استقامت هذه المعطيات وتم تمحيص أدبياتها في سياقها الطبيعي، نخلص إلى أن إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتاسيس الجيش الجنوبي لم يكن مجرد استعادة لصفحة من أرشيف الماضي، بقدر ما هو استخدام واعي للشرعية التاريخية كرافعة سياسية وأمنية لمواجهة تحديات السيولة الراهنة وإعادة ترتيب المشهد الجنوبي بثبات والحكمة لربط الماضي بالمستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى