من أكتوبر الماضي إلى أكتوبر الحاضر والمستقبل.. حين تتجدد إرادة الجنوب ولا يسقط مشروعه بالتقادم

بقلم / د. أمين العلياني
لم تكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م حادثةً ثورية في سجل التاريخ، ولا انتفاضةً محصورة في مواجهة عسكرية مع الاستعمار البريطاني؛ بل كانت لحظةً فارقةً انتقل فيها الرفض الشعبي من حالة الغضب إلى مشروع نضالي، ومن الوعي بالظلم إلى إرادة تغييره، ومن تشتت قوى المقاومة إلى مسار وطني تبلورت في ميادينه ملامح التحرر والاستقلال. وفي أكتوبر صهرت الثورة أشكال النضال المسلح والرفض الشعبي والعمل النقابي والسياسي المختلفة في بوتقة واحدة، حتى تُوِّجت مسيرتها بإعلان الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967م، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
ولم يكن الاستقلال منحةً من مستعمِر، بل ثمرة تضحيات شعب أدرك أن الوطن لا يسترد إرادته بالانتظار، وأن التحرر لا تصنعه التسويات التي تنتقص من السيادة، وإنما تصنعه إرادة وطنية تمتلك وعيها، وتحدد أهدافها، وتدفع أثمان خياراتها تضحيات جسام ودماء شهداء باهضة الثمن.
ومن هنا اكتسبت أكتوبر معناها الأعمق فهي لم تكن مجرد ثورة على وجود أجنبي، بل رفضًا لوصايته، واستردادًا للقرار الذي حاول أن يسلبه عن إرادة الشعب، وتأسيسًا لحق الشعب في أن يحكم نفسه بنفسه.
وها هو الجنوب، في أكتوبر 2026م، يستحضر تلك الذاكرة الوطنية في سياق سياسي لا تكاد تكون في سياق مختلف، لكنه يطرح أسئلة لا تقل جوهرية عن أسئلة الأمس: من يملك حق تعريف قضية شعب الجنوب؟ ومن يحدد سقف تطلعاته المشروعة في استعادة وطنه المحتل؟ وهل يجوز أن تتحول تضحياته الجسام إلى أوراق تفاوض، أو أن يُختزل مشروع سياسي وطني في ملفات حقوقية وإدارية يمكن احتواؤها داخل ترتيبات السلطة القائمة بسياسة وصاية لا تختلف عن وصاية بريطانيا التي جعلت من خلال سياسة فرق تسد هدفًا في إضعاف المشروع السياسي الذي يحمله الشعب الجنوبي عبر إرادة حرة جعلت من المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ممثلًا سياسيًّا وقادته جاءت عبر تفويض شعبي وفق مرجعيات تستند إلى ميثاق شرف وطني جنوبي وحد الصف وجعل التعدد موحدًا نحو الهدف وجاء الإعلان الدستوري والبيان السياسي كخارطة طريق ترسم الأهداف التي يجب أن تحقق في أكتوبر الحاضر والمستقبل كما تحققت في أكتوبر الماضي؟
ومن هنا إن جوهر هذه الأسئلة لا يتعلق بالخلاف على الوسائل وحدها، بل بطبيعة قضية شعب الجنوب ذاتها؛ أهي قضية شعب يطالب بحقه في تقرير مستقبله السياسي، أم ملف من المظالم التاريخية والاجتماعية يمكن معالجته بتوزيع المناصب وتشكيل المجالس والهيئات؟ ومن هنا فالفارق بين التصورين هو الفارق بين قضية شعب تبحث عن حل سياسي يعالج جذورها، وقضية يُعاد تدويرها داخل منظومة الحكم دون أن تبلغ الغاية التي ينشدها أصحابها.
وفي هذا السياق، يصبح المجلس الانتقالي الجنوبي العربي مشروعًا تحرريًّا يمثل إطارًا سياسيًا للتعبير عن تطلعات إرادة الشعب في الجنوب، وأن أي مسار يتجاوز هذا التمثيل أو ينتقص من قضية شعب الجنوب السياسية التي يحملها يثير أسئلة مشروعة بشأن التفويض الشعبي وحدود التسويات السياسية. وفي المقابل، فإن أي حوار جنوبي جاد يظل مطالبًا بإثبات قدرته على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي، لا أن يتحول إلى وسيلة لفرض تمثيل بديل أو إقصاء طرف لمصلحة آخر.
وتتضاعف حساسية المشهد حين تتداخل المصالح الإقليمية مع التوازنات الداخلية، وتبرز اتهامات بشأن توظيف الدعم المالي والإغاثي والمناصب العامة لاستقطاب الولاءات أو استمالة النخب الباحثة عن المكاسب. فالدعم الإنساني حق للمحتاجين، والعمل السياسي حق لأصحاب الرأي، وتولي المسؤولية العامة ينبغي أن تحكمه معايير الكفاءة والنزاهة؛ أما الخلط بين الإغاثة والولاء السياسي، أو بين المنصب والتفويض الشعبي، فيفتح الباب أمام اختلالات تمس الثقة العامة وتضعف استقلال القرار الوطني.
وليس أخطر على أي قضية وطنية من أن تنشغل قواها بالتنافس على تمثيلها، بينما تنشغل الأطراف الأخرى بإعادة تشكيل المشهد الذي تتحرك فيه. فحين تتكاثر المكونات والمجالس والكيانات دون توافق واضح على المرجعيات والأهداف وآليات التمثيل، يصبح السؤال عن وحدة الموقف أكثر إلحاحًا من السؤال عن عدد الهيئات المنشأة باسمه. من هنا فليست المشكلة في تعدد المنابر بحد ذاته، بل في أن يتحول التعدد من مصدر للثراء السياسي إلى أداة لتفتيت الإرادة المشتركة وإرباك اتجاهها.
وثمة وجه آخر من وجوه التحدي يتمثل في استدعاء جراح الماضي وصراعاته الداخلية، من التنافس بين الجبهة القومية وجبهة التحرير إلى الانقسامات التي عرفتها التجربة السياسية الجنوبية في مراحلها المختلفة. إن قراءة التاريخ ضرورة لفهم الحاضر، لكنها تصبح عبئًا حين تتحول إلى إعادة إنتاج لخصوماته، أو إلى استدعاء انتقائي لذاكرته بقصد توزيع الاتهامات وتغذية الانقسام. فالأمم التي لا تتصالح مع دروس ماضيها تظل معرضةً لتكرار مآسيه، والأوطان التي تجعل خلافاتها القديمة مرجعًا وحيدًا لحاضرها تفقد القدرة على صياغة مستقبلها.
ومن ثم، فإن استلهام أكتوبر لا يكون باستحضار مشاهد البطولة وحدها، ولا بتكرار شعارات التحرير بمعزل عن متطلبات الواقع؛ بل بتحويل دروس الثورة إلى وعي سياسي يحمي وحدة الصف، ويصون استقلال القرار، ويرفض تعريف قضية شعب الجنوب من مفهومها السياسي كما يرفض تفتيتها، عبر حوار جنوبي غير مسؤول ولم يحدد أهدافه بوضوح، ولم يحتكم إلى إرادة الشعب، ولا يضمن أن يجعل إرادة الشعب ليس مجرد مكونات ويجعل من تعددها ذريعةً لمصادرة حق الشعب في تقرير مستقبله.
إن قضية الجنوب، في بعدها السياسي، لا تنفصل عن أبعادها الاجتماعية والحقوقية والاقتصادية، لكنها لا تُختزل فيها في المظالم والحقوق وربطها بالخدمات وتوفير الرواتب والتمثيل في مؤسسات الدولة على أنها قضايا حقيقية تستحق المعالجة، غير أن معالجتها لا تغني، في نظر المطالبين باستعادة الدولة الجنوبية، عن مناقشة أصل السؤال المتعلق بمستقبل الجنوب السياسي وحق شعبه في تقرير مصيره. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين أصحاب المجالس التنسيقية الذين يجعلون من تحسين شروط الحياة داخل الواقع القائم هو الحل العادل لقضية شعب، وبين معالجة قضية شعب الجنوب السياسية التي يطالب بها المجلس الانتقالي بتسوية عادلة ونهائية لها.
لقد علّمتنا ثورة أكتوبر أن الوعي يسبق التحول، وأن وحدة الهدف تمنح التضحيات معناها، وأن الاستقلال يبدأ من رفض أن يقرر الآخرون نيابةً عن الشعب ما ينبغي أن يكون عليه مستقبله. لكنها تعلّمنا كذلك أن الشرعية السياسية لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بالتمثيل المسؤول، والشفافية، واحترام إرادة الشعب والقدرة على تقديم مشروع قابل للحياة، يستجيب لتطلعات هذا الشعب ويحمي حقوق السياسية لا الاجتماعية.
إن أكتوبر ليس ذكرى نستريح في ظلالها، بل سؤال يتجدد أمام الأجيال: ماذا فعلنا بإرث الاستقلال، وكيف نحمي حق شعبنا في أن يكون صاحب قراره؟ وبين ذاكرة الثورة واستحقاقات الحاضر، يبقى التحدي الحقيقي هو ألّا تتحول التضحيات إلى مادة للمساومة، ولا يصبح التاريخ سجنًا للحاضر، ولا تتحول قضية شعب الجنوب الوطنية إلى سوق للمناصب والولاءات؛ بل تظل مشروعًا سياسيًا واضح المعالم، يستمد قوته من وعي المجتمع، وتماسك قواه، واحترام إرادته، والقدرة على تحويل تطلعاته إلى مسار سلمي مسؤول يحفظ كرامة الإنسان وحقه في تقرير مستقبله.
فكما فتحت ثورة الرابع عشر من أكتوبر الطريق إلى استقلال الثلاثين من نوفمبر 1967م، فإن استحضارها اليوم ينبغي أن يفتح الطريق أمام مراجعة واعية، وتوافق مسؤول، ورؤية سياسية لا تكتفي باستدعاء أمجاد الماضي، بل تستخلص منها ما يعين الجنوب على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.
