استعادة دولة الجنوب العربي: لماذا لا يتوقف مستقبلها على الموقف السعودي وحده؟
مقاربة سياسية وقانونية وجيوسياسية لتوسيع خيارات الجنوب وبناء استراتيجية الاعتراف الدولي

كتب: أ. د. توفيق جزوليت
لا يمكن اختزال قضية استعادة دولة الجنوب العربي والاعتراف بها دوليًا في موقف المملكة العربية السعودية، مهما كان تأثيرها في المعادلات اليمنية والإقليمية. فالقضية الجنوبية تتجاوز العلاقات الثنائية، وترتبط بحق تقرير المصير، والمرجعية التاريخية للدولة الجنوبية السابقة، والتحولات التي أعقبت وحدة عام 1990 وحرب عام 1994، فضلًا عن مصالح القوى الإقليمية والدولية.
لقد كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية دولة مستقلة وعضوًا في الأمم المتحدة قبل إعلان الوحدة في 22 مايو 1990. وتمثل هذه الحقيقة مرجعية تاريخية مهمة تستوجب دراسة قانونية معمقة لوثائق الوحدة وتطوراتها وآثارها، بما يساعد على بناء ملف متماسك يدعم المطالبة الجنوبية ويحدد أسسها القانونية والسياسية.
ومن الضروري التمييز بين حق تقرير المصير، واستعادة الدولة، والاعتراف الدولي بها. فلكل مسار شروطه وأدواته، ولا يكفي الاستناد إلى التاريخ وحده لضمان الاستقلال، كما أن الأهمية الجيوسياسية للجنوب لا تمنح الاعتراف تلقائيًا. وإنما تتطلب هذه المسارات إرادة سياسية، وتوافقًا جنوبيًا واسعًا، ومؤسسات قادرة على إدارة الدولة، وحجة قانونية تستند إلى الوثائق والقواعد الدولية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، تظل السعودية طرفًا إقليميًا مهمًا لا يمكن تجاهل مصالحه ، لكن تأثيرها السياسي لا يعني أنها صاحبة الحق في تقرير مستقبل الجنوب أو أنها الجهة الوحيدة القادرة على التأثير في فرص استعادة الدولة. فحصر المسار الجنوبي في انتظار موقف الرياض قد يضيّق الخيارات المتاحة، ويجعل القضية رهينة للتحولات الإقليمية.
لذلك، فإن المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع السعودية، ولا تجاهل دورها، بل إدارة العلاقة معها ضمن استراتيجية دبلوماسية متعددة الاتجاهات، تنفتح على دولة الإمارات العربية المتحدة، وبقية دول الخليج، والقوى الدولية المؤثرة، والمؤسسات المعنية بالأمن والاستقرار والملاحة الدولية.
ويمنح موقع الجنوب المطل على خليج عدن والقريب من مضيق باب المندب القضيةَ بُعدًا استراتيجيًا مهمًا. غير أن تحويل هذه الأهمية إلى رصيد سياسي يتطلب تقديم مشروع واضح لدولة مستقرة، تحترم القانون الدولي، وتصون الحقوق والحريات، وتضمن أمن الملاحة، وتبني علاقات قائمة على المصالح المشتركة وحسن الجوار.
ومن هنا، تبرز ضرورة انتقال القيادة الجنوبية من الاكتفاء بالمواقف السياسية والتعبئة الجماهيرية إلى بناء مشروع وطني ومؤسسي متكامل، يقوم على ثلاثة مسارات مترابطة:
• المسار القانوني: إعداد ملف موثق بشأن الدولة الجنوبية السابقة، ووثائق الوحدة، وتطورات عام 1994، والأسس القانونية للمطالبة بتقرير المصير.
• المسار المؤسسي: تطوير رؤية دستورية واضحة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الشؤون العامة، وتعزيز المشاركة السياسية والتوافق بين مختلف المكونات الجنوبية.
• المسار الدبلوماسي: إعداد استراتيجية للتواصل مع الدول المؤثرة ومراكز الأبحاث والبرلمانات والمؤسسات الدولية، وتقديم القضية بلغة القانون والمصالح المشتركة.
وفي هذا الإطار، إنشاء مركز جنوبي للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية سوف يؤدي قطعا دورًا محوريًا في إعداد الدراسات القانونية، وتحليل مواقف القوى الكبرى، وصياغة البدائل السياسية، ودعم صناعة القرار على أسس علمية ومهنية.
إن استعادة دولة الجنوب العربي لا ينبغي أن تكون رهينة موافقة دولة واحدة، بل ثمرة مشروع جنوبي متكامل يمتلك مرجعيته القانونية، وشرعيته السياسية، ومؤسساته، وأدواته الدبلوماسية. فالسعودية طرف مؤثر في المعادلة، لكنها ليست المعادلة كلها؛ والاعتراف الدولي لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء قضية واضحة، ومشروع دولة قابل للتطبيق، وقدرة على إقناع المجتمع الدولي بأن استقرار الجنوب والتعامل مع تطلعات شعبه يمكن أن يشكلا أساسًا لتسوية سياسية مستدامة في المنطقة.
