مقالات

طائر فينيق القضية: الرئيس عيدروس الزُبيدي.. القائد الذي ظل وفيًّا للجنوب العربي

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

ثمة رجال لا يمكن قراءة مسيرتهم من خلال مواقعهم السياسية وحدها، ولا من خلال ما يتولونه من مسؤوليات في مرحلة بعينها؛ لأن قيمتهم الحقيقية تتجلى في قدرتهم على البقاء أوفياء لقضاياهم حين تتغير الظروف، وتتبدل المواقف، وتتراجع شخصيات كانت يومًا في مقدمة المشهد. ومن بين هؤلاء يبرز الرئيس عيدروس الزُبيدي، الذي ارتبطت مسيرته، في تجربتي وقراءتي، بالقضية الجنوبية العربية ارتباطًا تجاوز حدود الموقع إلى معنى الالتزام والانتماء والمواصلة.
هنا تبدأ الحكاية من صديق وأخ ورجل محترم، عرفناه بطيبته ونقاء سريرته ورحابة صدره. وهذه الصفات الإنسانية النبيلة، التي جعلته قريبًا من الناس، كانت أحيانًا مدخلًا لبعض المتحذلقين وضاربي الجوخ لاستثمار طيبته، والتقرب منه بما لا يعكس بالضرورة صدق المواقف أو عمق الالتزام.
لكن ما يلفت الانتباه في شخصية الرئيس عيدروس الزُبيدي ليس طيبته وحدها، بل ما اقترنت به من صلابة في المواقف، وقدرة على تحمل مشاق الطريق، وتمسك بالقضية في مراحل شديدة الصعوبة. فقد عرفناه في ظروف لم تكن فيها القضية الجنوبية العربية تحظى بما أصبحت تحظى به لاحقًا من حضور سياسي وعسكري، ولا كانت الطريق إلى استعادة الأمل واضحة المعالم.
ولذلك، حين أصفه بطائر فينيق القضية، فإنني لا أستخدم هذا التعبير لمجرد الزينة الأدبية، بل أستحضره بوصفه رمزًا لقائد ظل حاضرًا في الميدان، وعاد إلى العمل في مرحلة الانكسار، وواصل حمل القضية عبر سنوات طويلة، فيما تراجعت شخصيات أخرى عن المشهد أو ابتعدت عن مسار النضال.
إن الفينيق، في دلالته الرمزية، هو الذي ينهض من رماد الانكسار، ويستعيد قدرته على الفعل، ويجدد الأمل حين يبدو الطريق مغلقًا. وهذه هي الدلالة التي أراها في مسيرة الرئيس عيدروس الزُبيدي: ليس لأنه لم يواجه الصعوبات، بل لأنه ظل متمسكًا بالقضية، ولم يجعل قسوة الظروف سببًا للتخلي عنها.
من ذاكرة الانكسار إلى بداية الطريق
مع نهاية حرب 1994م، دخل الجنوب مرحلة قاسية من التحولات السياسية والعسكرية. واتجه كثير من السياسيين والثوار إلى الصمت أو المهجر والغربة، بينما بقينا نحن في الداخل نعايش تفاصيل الواقع الجديد، ونشاهد الأطقم والجنود والمدرعات تتحرك فوق أرضنا.
كانت تمر فوق الأرض، لكنها في وجداننا كانت تمر فوق القلوب والأرواح. كنا نشعر بالقهر والغصة، ونتبادل الأحاديث عن واقع فرض نفسه بالقوة، ونتساءل عن الطريق الذي يمكن أن يعيد للقضية حضورها، وللناس قدرتهم على التعبير عن تطلعاتهم.
وفي نهاية عام 1996م، عاد عيدروس الزُبيدي إلى الميدان.
أتذكر ذلك اللقاء الذي جمعني به، حين اتجهنا نحو حائط القات تحت منزلنا، وقطفت أنا وهو من حائطنا، وتبادلنا الحديث. قد يبدو المشهد عاديًا لمن يقرأه من الخارج، لكنه بالنسبة إليّ كان لحظة مهمة في فهم ما يحمله الرجل من أهداف وتطلعات.
من حديثه استوعبت أن الأمر لا يتعلق بمجرد مشاعر غضب من واقع قائم، ولا برغبة عابرة في الاعتراض عليه؛ بل بإرادة تتطلع إلى طريق مختلف، وبفكرة تستحق أن تُمنح فرصة للتحول إلى عمل. شعرت يومها بأن هذا الطريق هو طريقنا، وأن ما نحتاج إليه هو الانتقال من الإحساس بالقهر إلى امتلاك إرادة الفعل.
كانت تلك لحظة بقيت حاضرة في ذاكرتي؛ لأنني رأيت فيها معنى العودة إلى الميدان حين ينصرف كثيرون عنه، ومعنى التمسك بالقضية حين تكون تكاليف التمسك بها باهظة.
ومن هنا بدأت تتشكل لديّ صورة الرجل الذي أراه اليوم في إطار مسيرته الطويلة: قائدًا لم ينفصل عن القضية الجنوبية العربية، وظل يحملها معه عبر مراحل متباينة، من بدايات النضال إلى اتساع الحضور السياسي والعسكري.
القائد الذي لم يغادر القضية
إن الفارق الذي أراه في مسيرة الرئيس عيدروس الزُبيدي هو أنه ظل مرتبطًا بالجنوب العربي، حاضرًا في مسار قضيته، داخل الوطن وخارجه، ولم يتعامل معها باعتبارها محطة عابرة في حياته السياسية.
فقد تتغير المواقع، وتتبدل التحالفات، وتتراجع شخصيات كانت في مقدمة الأحداث، وقد تختار بعض القيادات الابتعاد عن المشهد حين تشتد المحن؛ لكن قيمة القائد الذي يحمل قضية شعب تتجلى في قدرته على مواصلة الطريق، والحفاظ على حضور القضية، والعمل على استعادة المبادرة في الظروف المعقدة.
ومن خلال متابعتي لمسيرة الرئيس عيدروس الزُبيدي، أرى أن هذا الاستمرار يمثل أحد أبرز عناصر تميزه. فقد ظل اسم الرجل حاضرًا في مسار النضال الجنوبي العربي، وتقدم من مرحلة إلى أخرى حاملًا القضية في وجدانه وخطابه ومشروعه السياسي.
ولم تكن هذه المسيرة مجرد انتقال من موقع إلى آخر؛ بل ارتبطت، في قراءتي، بمحاولة نقل القضية من حالة التشتت والضعف إلى بناء إطار سياسي وعسكري أكثر قدرة على التنظيم والحضور والتأثير.
وهنا تتضح أهمية القيادة في مراحل المحن. فالشعوب التي تواجه التحولات الكبرى تحتاج إلى شخصيات قادرة على حمل الثقل السياسي والنضالي، وربط الأجيال المتعاقبة بمسار القضية، والحفاظ على استمراريتها حين تتراجع المعنويات أو تتبدل الظروف.
إن القيادة في مثل هذه المراحل ليست مجرد واجهة تتحدث باسم الناس؛ إنها مسؤولية تاريخية تتصل بالحفاظ على الاتجاه، واستنهاض الإرادة، وتجميع الطاقات، وتحويل التضحيات المتراكمة إلى قوة سياسية منظمة.
وهذا هو المعنى الذي أراه في استمرار الرئيس عيدروس الزُبيدي: أنه لم يتعامل مع القضية الجنوبية العربية بوصفها ذكرى من الماضي، بل ظل يتعامل معها باعتبارها مشروعًا ممتدًا، له جذوره وتضحياته وأهدافه ومستقبله.
من المقاومة إلى استعادة الحضور السياسي والعسكري
كنت أرى في عيدروس الزُبيدي، منذ البدايات، ملامح رؤية تتجاوز حدود اللحظة. كنت أحاول، حين أجالسه، أن أفكك ما يدور في رأسه، وأن أفهم اتجاه تفكيره، وأقرأ ما وراء أحاديثه من أهداف.
وقد بدا لي أن الرهان لا يقتصر على مواجهة الواقع، بل يمتد إلى تأسيس مقاومة وتنظيمها، وبناء قوة عسكرية، وتهيئة الطريق لمشروع سياسي قادر على التعبير عن تطلعات الجنوبيين.
وهنا يكمن الفارق بين مجرد رفض الواقع والعمل على تغييره. فالرفض قد تعبّر عنه مشاعر الغضب، وقد تظهره المواقف والشعارات؛ أما تغيير الواقع فيحتاج إلى تنظيم، ورؤية، وقدرة على جمع الطاقات، وبناء أدوات تستطيع الاستمرار.
وفي مسيرة الرئيس عيدروس الزُبيدي، أرى أن الانتقال من مرحلة المقاومة إلى مرحلة بناء الحضور السياسي والعسكري يمثل جانبًا جوهريًا من دلالة قيادته للقضية الجنوبية العربية.
لقد أسهمت مسيرته، إلى جانب تضحيات المناضلين والقيادات والقوى الجنوبية الأخرى، في إعادة ترميم اللحمة الجنوبية، وتعزيز الشعور بوحدة القضية، وإعادة طرح مفهوم الجنوب العربي وهويته السياسية، وتجديد الحلم بالدولة الجنوبية التي تعبّر عن تطلعات شعبها.
وليس من الإنصاف قراءة هذه المسيرة بمعزل عن التضحيات الجماعية التي قدمها أبناء الجنوب العربي في مختلف المراحل؛ فالقضايا الكبرى يصنعها الشعب بنضاله، وتتقدمها قيادات تتحمل مسؤولية التنظيم والتوجيه والتعبير عن تطلعاته.
لكن ما أريد التأكيد عليه هنا هو أن الرئيس عيدروس الزُبيدي أصبح، في المرحلة التي نعيشها، عنوانًا سياسيًا بارزًا لهذه القضية، وقائدًا يرتبط اسمه بمسارها، ويحمل مسؤولية تمثيلها والدفاع عن مشروعها.
من جبال الضالع إلى امتداد الجنوب العربي
لم تكن جبال الضالع في ذاكرتنا مجرد تضاريس جغرافية، بل كانت جزءًا من حكاية نضال امتدت في الوجدان من صولان ومحجر والفرش وذبوب والضبيات، إلى جبل جحاف السامق، وجبال بلاد الشاعري وحرير والأزرق، ثم إلى ردفان ويافع، وصولًا إلى عدن وشبوة وحضرموت وسائر أرض الجنوب العربي.
كانت هذه الجغرافيا تختزن أحلام الناس وتضحياتهم، وتحمل ذاكرة مراحل طويلة من الصمود. ومن خلالها اتسعت في وجداننا صورة الوطن الذي نريده، وطنًا يستعيد أبناءه حقهم في تقرير مستقبلهم، ويمنح تضحياتهم معنى سياسيًا يتجاوز حدود اللحظة.
وفي هذه الرحلة، لم يكن عيدروس الزُبيدي بالنسبة إليّ مجرد صديق قديم، بل أصبح رمزًا لاستمرار المسار الذي عرفناه في بداياته، وشاهدًا على انتقال القضية من واقع الانكسار إلى فضاء أوسع من التنظيم والحضور السياسي والعسكري.
لقد ظل الفارق بينه وبين شخصيات أخرى، في قراءتي، أنه حافظ على ارتباطه بالقضية، واستمر في حملها رغم التحولات والتحديات. فبينما غابت شخصيات عن المشهد أو تغيرت مواقعها، بقي هو حاضرًا في صلب المسار الجنوبي العربي، وأصبح أحد أبرز الوجوه التي تتجسد فيها استمرارية القضية في مرحلتها الراهنة.
وهذه الاستمرارية ليست تفصيلًا عابرًا؛ إنها عنصر أساسي في حياة الحركات الوطنية. فالقضية التي تفقد صلتها بماضيها، أو تفقد قيادات قادرة على وصل مراحلها ببعضها، تصبح أكثر عرضة للتشتت والانقطاع. أما حين تتوافر قيادة تواصل حمل المشروع، فإنها تمنح الذاكرة النضالية امتدادًا، وتتيح للتضحيات السابقة أن تتحول إلى خبرة يستند إليها العمل السياسي اللاحق.
لماذا عيدروس الزُبيدي هو طائر فينيق القضية؟
لأنني أرى في مسيرته معنى الاستمرار حين يتراجع الآخرون، ومعنى العودة إلى الميدان حين تصبح العودة مكلفة، ومعنى التمسك بالقضية حين تتبدل الظروف وتتشابك المصالح.
ولأنني عرفت الرجل في مرحلة مبكرة، قبل أن يتسع حضوره السياسي والعسكري، فإنني أقرأ مسيرته من موقع الصديق والشاهد على جانب من البدايات، لا من موقع المتابع الذي لا يعرف إلا ما يراه في الأخبار والخطابات.
لقد رأيت فيه منذ ذلك الوقت إرادة تتطلع إلى العمل، وشعرت بأن القضية التي كانت تسكن وجداننا تجد طريقها إلى مشروع أكثر وضوحًا وتنظيمًا. ومع مرور السنوات، أصبح هذا الارتباط بالقضية أحد أبرز العناصر التي تفسر مكانته لدى قطاع واسع من أبناء الجنوب العربي.
إن الفينيق هنا ليس مجرد صورة للعودة من الهزيمة، بل رمز لقائد يواصل حمل القضية عبر مراحلها المختلفة، ويسعى إلى إعادة بناء قوتها، وترميم لحمتها، وتعزيز حضورها السياسي والعسكري، وربط تطلعات الشعب بمشروع واضح المعالم.
ولذلك، فإنني حين أطلق على الرئيس عيدروس الزُبيدي وصف «طائر فينيق القضية»، فإنني أعبّر عن خلاصة تجربة وذاكرة وموقف؛ عن رجل عرفناه في بدايات الطريق، ثم تابعنا مسيرته وهو يتقدم إلى مواقع أكثر اتساعًا في قيادة القضية الجنوبية العربية.
إنها شهادة صديق رأى في صديقه قائدًا، ورأى في استمرار القائد استمرارًا لأمل لم ينطفئ، ورأى في تمسكه بالقضية عنصرًا مهمًا من عناصر بقائها في صدارة المشهد.
القضية أكبر من المراحل.. والقائد عنوان الاستمرار
لقد أحببنا عيدروس الزُبيدي لأنه، في تجربتنا معه، مثّل امتدادًا لأشجاننا وتطلعاتنا وأمانينا في الحرية واستعادة الحق. وأحببناه لما لمسناه فيه من صفاء الروح ودماثة الأخلاق، ولما رأيناه من تمسكه بطريق اختاره في مرحلة كان الانكفاء فيها خيارًا متاحًا لكثيرين.
وكان حرصنا عليه نابعًا من إحساسنا بأننا لا نحمي صديقًا فحسب، بل نحرص على قائد ارتبط اسمه بقضية ناضلنا من أجلها، وقدم أبناء الجنوب العربي في سبيلها تضحيات جسيمة.
ومن هنا، فإن تعزيز مكانة الرئيس عيدروس الزُبيدي هو، في تقديري، تعزيز لحضور القضية التي يمثلها في المشهد السياسي، وتأكيد على أهمية تماسك الجبهة الجنوبية العربية حول مشروعها الوطني، والحفاظ على وحدتها في مواجهة التحديات.
فالقائد الذي يحمل قضية شعب يحتاج إلى قوة شعبه، كما يحتاج الشعب إلى قيادة تحافظ على اتجاه مشروعه، وتعبّر عن تطلعاته، وتعمل على تحويل إرادته إلى واقع سياسي ومؤسسي.
وهكذا تتكامل العلاقة بين القائد والقضية: لا بوصفها علاقة عاطفية عابرة، بل باعتبارها ارتباطًا تاريخيًا وسياسيًا ونضاليًا، تتراكم فيه الخبرة، وتتجدد فيه الإرادة، وتستمر فيه المسؤولية.
الرئيس عيدروس الزُبيدي، في نظري، هو طائر فينيق القضية الجنوبية العربية؛ لأنه ظل متمسكًا بها عبر المراحل، وحملها من ذاكرة البدايات إلى صدارة المشهد، وأسهم في إعادة بناء حضورها السياسي والعسكري، وظل اسمه مرتبطًا بمشروع الجنوب العربي وتطلعات شعبه.
وإذا كان الفينيق رمزًا للعودة والتجدد، فإن دلالته في هذه الحكاية تكمن في استمرار القائد في حمل القضية، وفي قدرته على إبقاء جذوة الأمل مشتعلة في وجدان شعب لم يتخلَّ عن تطلعاته.
تلك هي الحكاية التي أردت توثيقها، وتلك هي الشهادة التي أكتبها من موقع الصديق والأخ والشاهد على البدايات.
فطائر فينيق القضية ليس لقبًا أطلقه إعجابًا برجل فحسب، بل خلاصة مسيرة رأيت فيها قائدًا ظل وفيًّا للقضية الجنوبية العربية، ومتمسكًا بها حين ابتعد عنها كثيرون، وحاملًا لرايتها في مراحلها الصعبة، ومعبّرًا عن تطلعات شعب يتطلع إلى استعادة دولته وتقرير مستقبله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى