آداب و ثقافة

المصري محمد عفيفي بعد أول مغامرة روائية: التاريخ ليس حقيقة واحدة

 سمانيوز / متابعات

كثيراً ما يلجأ الروائيون للتاريخ كمنبع للحكايات، يستمدون القصص من وقائع حقيقية وينسجون الخيال حولها، لكن محمد عفيفي أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة القاهرة في مصر، والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة، اختار الأدب للهروب من قبضة الكهنوت الأكاديمي.
في رواية “يعقوب” الصادرة أخيراً، يخوض عفيفي مغامرة الكتابة الأدبية للمرة الأولى، على الرغم من أن معظم كتاباته البحثية قدمت للقارئ سرداً متماسكاً، ورؤى تاريخية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
“يعقوب” الذي تحمل الرواية اسمه، شخصية إشكالية في التاريخ المصري، بل من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، فهو مصري قبطي سارع بالانضمام إلى صفوف الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801) خارجاً بذلك على رغبة الكنيسة المصرية التي اختارت الحياد، وكوّن ما عرف بـ”الفيلق القبطي” الذي حارب في صفوف الفرنسيين، وشارك في البحث عن المماليك الهاربين في الصعيد، مقابل المطالبة باستقلال مصر عن الدولة العثمانية، ومع خروج الحملة من مصر، اختار يعقوب الرحيل على متن إحدى سفنها.

التاريخ.. مساحات رمادية

فلماذا اختار عفيفي الشكل الروائي وليس البحث الأكاديمي للكتابة عن شخصية “المعلم يعقوب”؟ يجيب في حواره مع “الشرق”: “اخترت شخصية المعلم يعقوب لأكتب روايتي التاريخية الأولى، لأنه شخصية خلافية، البعض يراه بطلاً قومياً تعاون مع الحملة الفرنسية بهدف تحرير مصر من قبضة المماليك، وآخرون يرونه خائناً لوطنه، هذه الشخصية الدرامية سمحت لي بأن أقول للقارئ إن التاريخ ليس حقيقة واحدة ثابتة وموضوعية تامة، أردت فض بكارة هذه الهالة من القدسية التي تربى عليها ذهن القارئ العربي، وأن أقول إن التاريخ به الكثير من المساحات الرمادية، وليس أبيض وأسود”.

“التاريخ لا يصنعه الأبرار”

أراد عفيفي التأكيد على فكرة أن التاريخ “لا يصنعه الأبرار”، إنما كل شخصية تاريخية بها جوانب أخلاقية مسكوت عنها، موضحاً: “قالب الرواية سمح لي بتعددية الأصوات وإثارة الجدل حول يعقوب من وجهات نظر مختلفة، أحد هذه الأصوات هو صوت يعقوب نفسه الذي نسمعه في أحلام الباحث الشاب، يطل على المؤرخين وهو يقول لهم إنهم لا يفهمون أن رجل السياسة يفكر أنه هو الوطن وأنه هو من يفكر للوطن، ولا يفكر بطريقة أن الخيانة مقابل الوطنية”.
وأضاف: “فكرة الوطنية والقومية أصلاً فكرة حديثة ظهرت لاحقاً في مطلع القرن العشرين، وبالتالي فإن النظر إلى يعقوب باعتباره وطنياً أو خائناً لا يتناسب مع مفاهيم الفترة التاريخية التي عاش فيها، فهو شخصية متمردة استطاعت كسر كل التابوهات”.
وتابع “حين فكرت في الكتابة عنه كان هدفي الأول كسر قداسة الشخصية التاريخية، وأردت أن أقول إن كل شخصية تاريخية لها جوانب إنسانية ربما لو عرفها القارئ لصدم. في بعض الأحيان يخرج باحث ويصطنع فرقعة تاريخية بناء على هذه الجوانب المسكوت عنها، أو معايير لم تكن سائدة في هذا العصر، ذلك لأننا لم نعتد على هذا النوع من المفارقة، مع أن هذه الشخصيات التاريخية بشر، ومن الطبيعي جداً أن نجد في سيرتها التناقض”.
وبشأن ما قد يثار عن الحساسية في الكتابة عن تاريخ الأقباط في مصر، قال “ليست لدى أي حساسية في الكتابة عن تاريخ الأقباط، وقد فعلت ذلك سابقاً، لكن أيضاً يجب التفريق بين موقف الكنيسة وموقف أفراد مثل يعقوب، وصف الأقباط نفسه تبسيط مخل، فمثلما وجد يعقوب وهو مسيحي تماهى تماماً مع جنرالات الحملة، كان هناك أيضاً المعلم جرجس الجوهري الذي تعاون مع الحملة بحكم الحاجة والضرورة فقط، وفضل البقاء في مصر بعد رحيلها، فالأقباط ليسوا شيئاً واحداً، إنما فرق وطوائف”.

القومية المصرية

واعتبر عفيفي أن “دخول الحملة الفرنسية كان لحظة حاسمة في ظهور الطائفية بشكل فج، لأن قدومها أثار فكرة الجهاد، وكان المصريون المسلمون يحاربون بمنطق الجهاد، ومشكلة الجهاد أنه يستثني غير المسلمين، هذه الفكرة لم تتراجع إلا بعد ثورة 1919، والسماح لغير المسلمين بالانضمام إلى الجيش وإلغاء الجزية، وهو ما أفسح المجال أمام ظهور فكرة القومية المصرية”.
وأشار عفيفي إلى أن الخيال ساعده على “إجراء حوار بين المعلم يعقوب، وجرجس الجوهري، وأن يعرض كل منهما وجهة نظره، بهدف كسر تابوه التنميط”.

التشويق وليس الإشباع

ربما يشير نهم القارئ العربي تجاه الروايات التاريخية، وزيادة عدد الروايات إلى تحول ما، أو حركة مراجعة في المجتمع العربي، وهو ما يؤكده عفيفي بقوله: “الرواية التاريخية أصبحت ظاهرة تحتاج لدراسة، إذ أصبحت العنصر الغالب في السرد الروائي حالياً، في اللحظات الفاصلة ولحظات التحول تلجأ الأمم إلى مراجعة تاريخها، في الوقت نفسه حين يكون البحث التاريخي منغلقاً يبدأ التنفيس عن ذلك من خلال الروايات والدراما التاريخية، أو من خلال مواقع إلكترونية، أو كتابات من خارج الأكاديمية”.
وأضاف: “هذه ظاهرة إنسانية نتيجة التحولات التي مرت بها المجتمعات العربية، الحراك السياسي والحروب كل ذلك يدفع في اتجاه ظهور حركة المراجعة، صار هناك جيل جديد من الشباب لديه أدوات جديدة للمعرفة والتحاور، وقبل ذلك لم يكن هذا متاحاً إلا بشكل مباشر.. فيسبوك وتويتر صارا المقهى والأحزاب”. 
عفيفي وضع لنفسه معياراً مختلفاً لنجاح الرواية التاريخية، فهو ليس أديباً لجأ إلى التاريخ، بل هو مؤرخ هارب من جمود الكتابة الأكاديمية، لذا فهو لا يسعى لحسم الجدل بشأن شخصية يعقوب، حيث يرى أن “الرواية تنجح حين تفتح شهية القارئ على قراءة مزيد من الكتب التاريخية عن نفس الفترة، وأن تكون قادرة على إثارة أسئلة جديدة”.

إثارة العقل

وبرر عفيفي رفضه إلحاق وثائق وصور تاريخية، وهي مادة ربما ليست متاحة للقارئ العادي في رواية يعقوب، بقوله: “لا أحب إلحاق الصور والوثائق بالروايات التاريخية، فهذه ليست حصة تاريخ، نلقم فيها القارئ بالملعقة”، معتبراً أن القيام بذلك يعد نوعاً من الوصاية على القارئ، يحرمه من البحث والعثور على مراجع ربما تكوّن لديه فكرة أخرى، فالباحث بشكل لا إرادي يختار مراجعه، ويحيّد البعض الآخر، هذا بالضبط ما لا أريده أن يحدث”.
وأضاف “أنا لا أسعى وراء إشباع القارئ، بل تشويقه لمعرفة المزيد، فمعيار نجاح الرواية التاريخية هو أن تثير العقل، وأن تفتح النقاش عن الشخصيات أو الأحداث التي تتناولها، أن تهز المسلمات، وتمنح القارئ متعة تستمر معه أسابيع من التفكير فيها”.
تتعارض رؤية عفيفي تلك مع الموجة السائدة من الروايات التاريخية التي تحرص على نقل القارئ حرفياً إلى الحقبة التاريخية التي تتناولها، سواء عن طريق السرد، الذي يسرف في توصيف المكان والأزياء ونمط الحياة، أو عن طريق طباعة ملحق مصور، لكن في المقابل يرى عفيفي أن “كاتب الرواية أحياناً يريد أن يضع كل المادة التي جمعها، وكأنه سيخسر عدم نشرها، لكن هذا ليس المطلوب، بل هذا نوع من أنواع حشو الرواية بتفاصيل تاريخية تجعل العمل التاريخي مترهلاً، وتفترض أيضاً أن القارئ لا بد أن يحصل على معلوماته التاريخية من عمل روائي، بينما الحقيقة أن القارئ مشتاق للمعرفة التاريخية، وتميز الرواية ينطلق من قدرتها على سرد المسكوت عنه أو ما أهمله التاريخ في الأبحاث التاريخية”.

نسبية الحقيقة

ينتقد عفيفي ما يسميه “جمود الفكر العربي”، موضحاً: “للأسف لا يزال العقل العربي يميل للرؤية الأحادية، على الرغم من أن الدراسات التاريخية في الغرب تطورت كثيراً، وأصبحت هناك مدرسة في الكتابات التاريخية قائمة على فكرة (نسبية الحقيقة)، وأن المؤرخ ليس قاضياً ينحاز للحقيقة وحدها كما جرى العرف في أروقة الجامعات، إنما صارت الكتابات التاريخية قائمة بالأساس على الانحياز الواضح، وهذا فتح المجال أمام كم لا نهائي من الدراسات التي أسهمت في ملء الثغرات التاريخية التي لا تغطيها الوثائق، وفتح الباب أيضاً أمام إعادة قراءة الأحداث التاريخية من وجهات نظر أخرى”.
وأضاف: “هناك اتجاه في الغرب يرى أن التاريخ والأدب كانا شيئاً واحداً، وجاء الفصل بينهما مع بداية تدريس التاريخ في الجامعات، إذ وضع المؤرخون تعريفات لحماية أنفسهم، قالوا لنا إنهم يكتبون الحقيقة وحدها، وأن الأدب خيال، واكتشفنا بعدها أن التاريخ ليس الحقيقة، بل إن أحادية النظر للحدث التاريخي وقصور البحث التاريخي أفقداه حيويته وجمهوره، وأفقداه عناصر مهمة مثل السرد واللغة الساحرة والأسلوب، وبذلك ظهرت حركة مراجعة كبرى قائمة على فكرة التخييل التاريخي، بمعنى أن الباحث يمكن أن يرمم ثغرات الرواية التاريخية بناء على اجتهاده في الاطلاع على الوثائق ومعرفة الفترة التاريخية التي يدرسها”.

قراءات مختلفة لحدث واحد

واعتبر عفيفي أن عودة التاريخ للأدب، واهتمام الدراسات التاريخية بتقديم سرد راقٍ، توسع جمهور الكتابات التاريخية، وأن هذه المدرسة الجديدة أحدثت طفرة في الدراسات التاريخية في الغرب.
وتابع: “لا أقول إن الدراسات التاريخية بالمنطق التقليدي لا بد من أن تتوقف، لكن يجب أن تتطور المعايير الأكاديمية وفقاً لهذه الرؤية المعاصرة، فليس هناك ما يسمى حكم التاريخ، وليس هناك موقف نهائي.. في كل مرة يمكننا قراءة الحدث التاريخي بشكل مختلف، وإثارة أسئلة جديدة”.
يشار إلى أن عفيفي اهتم بتاريخ الأقباط المصريين، وقدم عدداً من المؤلفات التي تداخل فيها البحث مع السرد التاريخي، أبرزها كتابه “شبرا.. إسكندرية صغيرة في القاهرة”، وكتاب “نوافذ جديدة.. تاريخ آخر لمصر”، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية 2004، وجائزة التفوق في العلوم الاجتماعية 2009، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية 2021.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر − اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى