آداب و ثقافة

قراءة في رواية(العَنِيْن ).

للروائي: خالد لحمدي.

 

بقلم : خالد بلحاج

تعد رواية ( العنين ) من الروايات التي اعتمدت على ذات السارد وذاكرته المليئة بالأحداث والإنفعالات المتصاعدة .

 

كسر من خلالها الكاتب العزلة والصمت المطبق على الإنسان المعاصر والمتغيّرات الطارئة والمنبثقة من براثن عصر حمل كثيراً من المتغيّرات التي لم يعتدها سكان هذه القرية ولم يتصوروا أن يعيشوا يوماً أحداث وتقلّبات كهذه .

 

وقد أتت الرواية محمّلة بهالة من الشعرية الناضحة بالسحر والألق ، التي تغوص في روح القارئ بعذوبة وجمال شديدين .

 

وقد توزّعت الرواية بين خمسة فصول معنّونة بشاعرية أكثر سمواً وارتقاء .

 

(سعفات ظامئة، مسالك المستحيل، مقام جدّي الجليل، أيناء الماء ؟، سفر النجوم )،

 

وقد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى سنة ٢٠٢٠م عن دار الوفاق الحديثة للنشر والتوزيع، بالملكة العربية السعودية، الرياض .

 

وتعد رواية ( العنين ) للروائي خالد لحمدي العمل السردي الثاني ، بعد أن صدرت له سنة 2015م الرواية الأولى الموسومة ب ( صمت الأشرعة ) ومجموعة قصصية بعنوان ( أشياء صغيرة ) سنة 2013م.

 

والعنين هي إحدى قرى وادي حضرموت، ومسقط رأس المؤلف .

 

وهي قرية ريفيّة تملؤها النخيل بأعداد كثيرة، ومساحة خضراء شاسعة تمتلئ بآبار المياه الإرتوازية . يحيط بها النماء والاخضرار من كل الإتجاهات .

 

ويطوّقها فضاء متعدّد الصور والقرائن يجتمع في صورة موحّدة وثابتة والمتمثلة في قرية (العنين)  المتشبّثة بالعلائق الموحّدة والارتباطات الثابتة غير المتحوّلة ، مثل النخيل والترع والحواجز الترابية .

 

وقد عرفت ( العنين ) بأشجار النخيل . أو بلد النخيل المنتشر في كافة أرجاءها وأمكنتها .

 

وقد توارد ذكرها في الرواية بشكل مكثّف ، ممثلة مرحلة أو حقبة سياسية خلت ، وحاضر مضمّخ بالقلق استقطب كثيراً من أحداث الرواية.

 

والمتأمل في ما قد جاءت به الرواية ، والتي ترتبط بالراوي المسمّى، سالم . الذي جاءت مجمل أحداث الرواية على لسانه إلاّ من بعض الشخوص الثانوية التي تشترك أيضاً في بهاء وألم الحياة على تراب هذة البلدة .

 

وفي الصفحات الأولى من الرواية كتبت الدكتورة هدى العطاس مُسطّرة بضع صفحات أشبه بتقديم أو تصدير كما أسمتها للرواية .

 

( سالم المزارع الذي يفلح أرضه ويراقب براعمها تتفتح ، في المقابل يراقب زهر عمره ينطوي وتكر سنينه دون قطاف ) ص .

 

المتأمل فيما كُتِب من قبل د. هدى العطاس في تصدير الرواية، وهي القاصة والأدبية الرائعة ، يجد أن بطل الرواية ملتصق بالأرض كثيراً بل رُبّما أنه لايتركها أو يغادرها إلاّ لحظات أو أوقاتاً قليلة ، وبالتالي نستدل هنا من أمراً هاما ، وهو أن المؤلف يعشق هذه الأرض كثيراً، وبالتالي فهو يعشق الأرض الكبيرة الواسعة وهو الوطن الذي تعتبر أرض العنين جزء منه .

 

إذا يمكننا القول هنا أن الراوي والمؤلف يعدُّان روح أو حياة واحدة يتنسمان ربيعها في محيط أكثر رسوخاً واتساعاً يرمز إليه بالنخيل الذي ينغرس ويتوحّد في كيان واحد هو الأرض .

 

وقد قدّم الروائي خالد لحمدي فضاءات ( العنين ) المتعدّدة والملوّنة من خلال النخيل والأرض التي  يزرعها المزارع  سالم والذي يهتم بها وما تنتجه من ثمار وفواكه ومحاصيل متنوّعة.

 

يقول الراوي سالم في بداية الرواية :

 

( منذُ عُمرٍ من العمر وروحي تعانق البؤس وتوائمُ الوجعَ دون أن يتغيَّرَ شيءٌ ، وظل الوادي يعاركُ تقلبات اللحظةِ ومتغيرات الزمن ، وعيناي تعيشان التأمل وتتدربان على التآلف ومراراتِهِ الموجعة.

 

أَو سأقوى بعد هذا العمر على محو الذاكرة ، وهل سيجدي كثرة الحزن والندم ..؟!

 

سأتجرَّعُ الصبرَ وأتمترسُ خلفَ النسيان ليقيني الوهمَ والانحدارَ ، وقد تمنحُني مسالكي بعض الحلم ، وتأخذني بعيداً عن غِلالةِ التيه والدوار.

 

نهاري قيظٌ وليلي مثقلٌ بالعتمةِ والقلق مع انقطاعات التيار الكهربائي ، وتزايد أصوات صراصير الليل التي يأتيني صفيرُها من الخارج دون توقَّفٍ أو انقطاع ).

 

هي ذي إذاً عوالم الإيمان والتوحّد مع الأرض . الوطن التي صنعها الراوي في صورة توائم الحزن والفرح وفي حالة من التدرّج نحو الأمل والنور دون مللٍ أو اكتفاء ، في ظل الظروف والمتغيّرات الزمنية المتلاحقة.

 

يشارك سالم بطل الرواية بعض الشخوص وهم علي وهو الأب ومريم والدة الراوي والتي ما تدعوه أحياناً في لحظات الأنس والتجلّي ب سلووووم، والتي يدعوها هو أيضاً ب مريووووم، والجدّة مزنة والدة الأب علي، وتهاني وهي أخت الراوي، والعم خميس المزارع وأبنه سعيد المجاوران لمزرعة الراوي، كذلك إبراهيم وهو عم الراوي وشقيق أبيه وزوجته المسمّاة ب سماح، كذلك هدى الطفلة اللقيطة التي وجدها العم إبراهيم صدفة تحت أحد أبواب المساجد وقام بتربيتها إلى أن أصبحت عروسة. كذلك أحمد وهو الإبن الوحيد لإبراهيم عم الراوي الذي أنجبته زوجته سماح في سن متأخر من عمرهما، بعد أن فقدا إبنهما الأول والذي أيضاً كان أسمه أحمد . كذلك الموظّف البيطري الذي جاء للعمل في القرية ثم قُتِلَ بعد ذلك في ظروف غامضة ومبهمة.

 

إن العلاقة المتعمّقة في ذات المؤلف وهويته المنغرسة في حب هذه الأرض المتمثلة في قرية ( العنين ) جاءت  بكثيراً من الصور والإيحاءات والدلالات والتشبيهات الأكثر من رائعة، وخلقت صوراً في غاية الروعة والأناقة، وصنعت فضاءات موشّاة بالسحر والدهشة والجمال، بلغة مكثّفة رقراقة كالماء ، التي أضافت إلى النص وشائج تصويرية أكثر عمقاً ودلالةً، التي حتماً ستذهب بالقارئ والمتلقّي نحو فضاءات أرحب وأوسع ، كاشفة عن سحر وجمالية هذه القرية التي تسمى ب ( العنين ).

 

تدور أحداث الرواية على أرض وتراب قرية العنين، في مقارنة واضحة عن كيفية حياة هذه القرية قبل وبعد عام التسعين (1990م) وهو عام الوحدة اليمنية ما بين شمال اليمن وجنوبه،

 

وعمّا حدث بعد ذلك العام من تحوّلات وتغيّرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .

 

هاهو الراوي سالم يتحدث قائلاً:

 

( كلُّ الدروبِ تَقِفُ نهاياتُها على بقاع الخيبةِ ، يُعتقَلُ الحلمُ فيها ، ويتربَّع الزيفُ على رؤوس المعدمين .

 

زادَ وجعي ماحدثَ في مكتبة الحي الملأى بالمراجعِ والكتُب، حين تسلَّلَ العبثُ إليها ، وجعلها حفنةً من الرماد .

 

احتفلَ الوهمُ بانتصارِهِ، وما انفكَّ يطلقُ خُطَبَ الكذبِ، وقصائد الافتراء .

 

إنَّ أرضاً تحرقُ النخيلَ والكتبَ وآلات الموسيقى ، الأجدرُ مغادرتُها، قبل أَن ينتشرَ وباؤُها في دَمِنا ، ونصبح من عشَّاق الحرائقِ واللهب ).

 

والمتأمل لما ورد في المقطع السابق يلحظ  المنعطف الخطير الذي آلت إليه ( العنين ) وجميع ساكنيها، في إشارة إلى الإضمحلال والتدهور الذي ألم بأهلها بعد حياة من العز والكبرياء.

 

وتطرح الرواية كثيراً من التساؤلات والمقارنة ما قبل وبعد عام التسعين ، في استدلال واضح بما يحدث للأرض والإنسان من تدهور في المعيشة وتزايد ظاهرة الفقر والخوف والقتل.

 

( لم يتنبّأ أحدٌ بمايحملُ الأفق تحت أهدابِه، ولم تستطع عيونٌ الإمساكَ بمدامعها، ففُتِحت كهوف الحزن ومضايق الشقاء.

 

غمرت السيول الوادي، وارتطمت المياهُ بالجبال والترع ، وتشقَّقت الأرض والسواقي، وانفتحت الخُطى نحو المرتفعات قوافل تظللها سحب النجع ونذير السماء ).

 

وهذه إشارة واضحة لما حمل الواقع من وجع وانحدار سحيق.

 

فتبدّل الأرض وتقلّبات الزراعة وحياة الفلاحين المرتكسة، تشي بإنحراف عن الحق وتراجع في القيم المتوارثة وفقدان تلك الحياة المنغمرة بالزهو والأماني الوافرة.

 

ويشتد الصراع على الأرض بين مُلّاكها الأصليون والفلاحين الذين عمل الحزب على منحهم هذه الأرض التي أستولى عليها بالقوة وطرد ملاكها الحقيقيون . والتي تم إعادتها لأهلها بعد عام التسعين ، الذي خلق كثيراً من التشتّت والإنقسام وعدم الرضا بين مُلّاك الأرض أنفسهم، ما قد زاد من الفتن والشحناء وتسبب في قتل وإزهاق أرواحاً كثيرة .

 

هاهو الراوي سالم يتحدث قائلاً :

 

( واقعٌ لم أعهدهُ أبداً .

 

انحبس القطرُ ، وقُطِّعت وشائجُ القربى .. وتباعدت الأرحامُ ، وَبَدتِ الأرواحُ أكثرَ قسوةً وسواداً .

 

فُتحت أبواب التقاضي ، وكلٌّ وقَفَ يحاسبُ الآخر، وسنين الخيبة تسرق العمر ، وتفتح منافذَ الوهمِ والشتات،

 

واستنفدت الجيوبُ محتواها، والعدل امرأة نائمة في سريرها ولم تستيقظ بعد.

 

تحزُّ في النفسِ هذه الخيباتُ والألم،

 

حين تتركُ الأغصانُ فروعَها تنبترُ بخفةٍ، فيصعبُ إعادتها وغرسها من جديد.

 

لا أحاسب أحداً، ولم تكره روحي أحداً.

 

أنا الجائع للحبِّ والنور في قرية طيبة ، فقدَت حواسها، وتلوَّثت بواقعٍ مفاجئ ومخيف .

 

أرواحٌ تمسك بزناد الموت، وأفواهٌ تملؤها كلماتُ العنف، وعقولٌ يسكنها الجهلُ، وتتفيأ العتمة والظلام.

 

أخطو على حَواف جُرفٍ ، يمقتُ الصدقَ ويفقد الحب واليقين.

 

أَتَوهُ قسراً في منافٍ بعيدة، والناس تمارس حياتها بأريحيةٍ مفرطة.

 

أمسك بالنور فيتسرَّبُ من يدي، ويتمرأى الزيفُ ضاحكاً ، وقلبي يزيد اضطراباً وقلقاً).

 

لقد نسج المؤلف هذا العمل الروائي بدراية وإقتدار، وأدار الحياة بين شخوص الرواية بسرد وحبكة متقنة. وتظل ( العنين ) القرية التي قِيل عنها على لسان بطل الرواية :

 

( العَنِيْن .

 

قلعةُ الكادحين والفقراء .

 

دوحةُ الورد وموطئ الصادقين .

 

عروس الوادي المخضر بعطر المدائن والفصول .

 

وحيدتي التي لم يتغير شعورها تجاهي، وظلت تدثّرني بهالةٍ من النور والضياء .

 

تعانق وادياً فسيحاً، تُظلّله جبالٌ جرداءُ يجيئها الغيثُ في أوقاتٍ متباعدة.

 

شتاؤها قارسٌ وصيفها سمومٌ لاتنطفئ .

 

تظللها غيومٌ سوداء وأدخنةٌ تملأ المنافذَ والشرفاتِ العالية ، وقد اعتادت الأرواح على الحرائق واللهب ).

 

أخيراً .

 

لقد برع الروائي خالد لحمدي في تصوير مجتمع ( العنين ) في صورة أكثر أشراقةً ووضوحاً، هذه البقعة من الأرض الواقعة في منتصف وادي حضرموت، بأحزانها وأفراحها وتطلّعاتها وآمالها التي رُبّما لم تتحقق بعد.

 

 

بقلم : خالد بلحاج

صحافي وكاتب

محافظة حضرموت ، القطن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى