آداب و ثقافة

ليالي المحروسة 2

رواية / بقلم / انديرا السالمي.

زيّنت( ورد)غرفته بروحها الجميلة وأصبح المنزل جنة صغيرة ازدادت جمالا بعد انجابها لتسع وردات احبهن اكثر من اي شيئ اخر كان كل صباح يناديهن ويرتصن امامه في خط مستقيم ويناول كل واحدة منهن بضع تمرات وكوب من لبن الماعز ثم يذهب الى حقله بعد ان يقبّل جبين كل واحدة منهن ويربت على رؤوسهن.

انجب ولدين بعد تسع بنات لم يُنقص وجودهما مثقال ذرة من حبه لبناته،تعلم الولدان في مسجد القرية حيث حرص والدهما على حفظهما للقرآن الكريم ومبادئ التجويد ولم يكن مسموحا لبناته بمجرد التفكير في التعليم ولو كان حفظا للقران الكريم وكان هذا الامر طبيعيا في القرية وماجاورها حتى وان كان والد البنات هو إمام المسجد،ولم يُجابه بالاعتراض من أحد طالما وان الامر طبيعيا.

لم تستسغ الوضع احدى وردات الحاج( علي)كانت( رقية) دائما تنتظر اخويها عند عودتهما من المسجد وتبدأ في سؤالهما ماذا حفظا نهار اليوم وماذا فهما من دروس التجويد،رغم المرارة التي كانت تشعر بها لحرمانها من التعليم الا انها لم تمنعها من فهم ماكان يتدارسانه اخواها بل كانت اسرعهما فهما وحفظا.

تجرأت (رقية)ذات يوم واستجمعت شجاعتها وانتظرت عودة ابيها من المسجد لتكلمه فيما جال في بالها،كم حذرنها اخواتها من مجرد التفكير بل اعتبرنه حماقة كبيرة وامر لا داعي له ناهيك عن مناقشته مع والدها

جلس الحاج( علي)على سريره الخشبي،ناولته (رقية)كوب شاهيه المعتاد،نظر اليها بحب،كانت اكثر بناته شبها بامها وان كانت متمردة احيانا على عكس امها،جلست بجانبه بعد ان اذن لها،اسرعت الى كف ابيها وطبعت عليه قبلة:
-ابتاه…
-نعم عزيزتي،عيناه لاتزالان معلقة في كوب الشاي
-(بتردد)سمعتُ صالحاً اخي يقرأ القرآن ولكنه اخطأ عند آية معينة وصححتها له قطع الحاج( علي)ارتشافه من كوب شاهيه ونظر اليها باستغراب مشوب بمسحة غضب: وكيف عرفتي أنه اخطأ وكيف عرفتي الصحيح من الآية؟!!

احست( رقية) ببرودة شديدة في اطرافها،كانت تأمل ان تُفرح اباها بهذا الانجاز العظيم
(بتلعثم):كنت استمع لهما عند عودتهما من المسجد،و… قاطعها الأب مناديا امها بصوت ارتجت له جدران الحوش،أحست( رقية)ان قلبها سيخرج من مكانه،جاءت الام مسرعة والخوف يسبقها:
-الم تتقن رقية اعمال الابرة والصوف؟

-بلى انها افضل بناتك في هذه الاعمال
-الا تقوم بواجبات المنزل على خير مايرام؟
-بل هي اسرعهن وانظفهن
-الا تعتني بمواشي الدار؟
-بلى،انهم يحبونها اكثر من باقي اخواتها لحُسن اعتناءها بهم
-هل تتأخر في احضار الماء من بئر القرية؟
-بل تجلب رقية الكمية الاكثر من الماء
وضع الحاج علي كوب الشاي بقوة على الارض بعد ان عجز عن سماع اجابة تجعله يفرغ شحنة غضبه على ابنته المفزوعة المنتصبة بجانب السرير وكانها تنتظر حكم القاضي عليها….
لبس الحاج علي كوفيته البيضاء وخرج من منزله بوجه غير الوجة المعتاد
كان لوم وتعنيف والدتها واخواتها شديدا،صالح الاخ الاكبر رغم عصبيته لم يحرك ساكنا بل جال في خاطره :ولما لا؟!!ما العيب في ذلك انها الاذكى منا جميعا،محمد لا يزال صغيرا.
لم ينم الحاج علي ليلتها،لم يدر لماذا،كان متيقنا من قدوم هذا اليوم ولكن قدومه جاء مبكرا،كيف لا يملك هذا اليقين وهو يرى وردته رقية كل يوم تختلف شيئا فشيئا عن اخواتها،كانت متطلعة وكانها تريد ان تعيش في مكان اخر غير هذا،كم مرة سمعها تسخر من احدى اخواتها لموافقتها على الزواج من احد ابناء عمومتها رغم عدم حبها له،كم مرة لاحظ تأملها لصور كتاب ما والغوص في تفاصيل الوانه وحروفه حتى لكأنها سافرت الى مكان بعيد بعيد بعيد جدا لم تسمع فيه نداء امها لها عدة مرات لتعود مفزوعة لعالمها الحقيقي،كم مرة سمعها تدندن بصوت جميل عذب احدى الموشحات،كان عليه ان يتوقع مجيئ يوم كهذا وعلى يدي وردته الجميلة رقية
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة − 8 =

زر الذهاب إلى الأعلى